انفضّت القمّة العربية محقّقةً أكثر مما كان متوقعاً منها؛ وهذه نتيجة إيجابية تُسجَّل للقادة العرب وتُحوَّل إلى رصيدهم.
لا ندّعي أنّ هذه القمة اجترحت المعجزات، ولا نزعم أنّها لبّت تطلّعات الشارع العربي، لأن ما تم إنجازه يظلّ بعيداً عن السقف الذي وضعه المواطن العربي.
ولكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد أعادت قمّة الرياض الأمل إلى النفوس، وأحيت إلى حدّ كبير التضامن العربي الذي كدنا أن نقرأ الفاتحة على روحه.
ولأنّ المبالغات والخطابات الرنّانة، والحماسة غير المبرّرة لم تعد تقنع أحداً في زمن العقل والمنطق ، فلنعترف بأنّ القمّة لم تبلغ طموحات الشعب العربي، وإنْ لامستها واقتربت منها لأول مرّة ربّما منذ سنوات.
إنّها قمّة استعادة الأمل، كما قال الرئيس الأسد، وكما رآها العديد من المراقبين والمحلّلين، وحتى رجال السياسة العرب والأجانب.
كانت الخشية دائماً من احتمالات الانحدار العربي إلى ما دون الخطوط الحمراء التي لا يتسامح فيها الشارع العربي.. إلا أنّ «أبطال» القمّة أثبتوا جدارتهم وقدرتهم؛ فخرجوا بقرارات ما فوق الخطوط الحمراء، فأحبطوا جهوداً كبيرة بُذِلَتْ عشية القمّة لتحويل مسارها؛ لتصبّ النتائج في ساقية المشاريع الأميركية والصهيونية والتي لم تعد اختراعاً من بنات أفكار «القوميين!» وإنما حقائق على الأرض بات حتى أولئك الذين يوصفون بـ«المعتدلين» يدركونها.
فالوجود الأميركي في العراق ليس شرعياً كما يدّعي بوش وأركان إدارته، بل هو الاحتلال الاستعماري القبيح عينه.. وهذا كلام جديد على السيد الأميركي الذي صعق عندما سمع هذا الكلام.. وها هي دانا بيرينو، المتحدّثة باسم البيت الأبيض تحاول إقناع نفسها قبل العالم بأن الاحتلال الأميركي شرعي: «نحن هناك استناداً إلى قرارات مجلس الأمن وبدعوة من الشعب العراقي»!
وباعتقادنا أن الناطقة الأميركية إما أنها تجهل الحقائق ، وهذا لا يؤهلها لشغل المنصب الذي تحتلّه، أو أنها محامية الشيطان.. وهنا من حقّها أن تقنعنا بأن الحليب أسود اللون، وأنّ التماسيح لها أجنحة، وها هي تحلّق وتغرّد على أشجار حديقة البيت الأبيض!!
على كل حال، لن نولي مثل هذه التصريحات الأميركية السخيفة والتافهة أي اهتمام؛ فمن جاء إلى البيت الأبيض بكذبة انتخابية لا يصعب عليه الكذب في كل شيء.
فهل بإمكان السيدة بيرينو أن تذكّرنا بالعريضة الموقعة من الشعب العراقي التي يدعو فيها الجيوش الأميركية إلى تدمير بلده وقتل ما يقرب من مليون من أبنائه وتشريد الملايين وزرع بذور الفتن والفوضى و...؟؟!.. سنقتنع جداً إذا أظهرت تلك العريضة الوثيقة، ونسلّم أمرنا لله وحده.
إذاً: اتفق العرب ولأول مرة، على أن ما هو حاصل في العراق يمثل الاحتلال، وليس الإنقاذ الأميركي للعراق ونصرة العراقيين وحقنهم بالجينات الديمقراطية الأميركية كي يكون العراق نموذجاً، على دول المنطقة الاقتداء به.
واتفق العرب على رفض المساومة على الحقوق، وأكدوا أنهم أحياء يرزقون، ولهم وزنهم وقوتهم وكلمتهم، وأنهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم ووجودهم ومستقبل أجيالهم باقتدار، وأن محاولات تجاوزهم وتهميشهم والاستهتار بإرادتهم وقرارهم وحقوقهم لم تعد مجدية، أولاً، ومخالفة للمنطق، وحتى لأكاذيب الأميركيين أنفسهم الذين يقرؤون على رؤوس البشر صباح مساء حقوقهم وواجباتهم والأساليب والطرق التي عليهم سلوكها لنيل بركة العم سام، ولدخول جنّة الديمقراطية وواحات الحرية!!
العرب في قمّتهم رفعوا ال÷يتو في وجه القرارات والإملاءات والسياسات الأميركية المتصهينة، أو بعبارة أدق، السياسات الصهيونية المصنّعة في معامل البيت الأبيض.
لكن العرب، أبناء حضارات خالدة، لم يعلنوا الحرب على أحد.. على العكس، هم أعلنوا السلام على الملأ، ومدّوا أيديهم بهذا السلام.. وهو التحدّي الذي لا يقدر عليه «المستر بوش» ولا أولمرت ولا أركان هذا وذاك.
العرب أعلنوا أنهم مع السلام العادل والشامل، المستند لأول مبادرة عربية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وأكدوا عبارتهم الفلكلورية المعهودة: «السلام خيارنا الاستراتيجي».. فماذا كان من أبطال الحروب والدمار والدماء والفتن؟!.
إسرائيل رفضت المبادرة، وواشنطن تريد تعديلها لتتحول إلى مبادرة الاستسلام العربية، ولم تجد إدارة بوش في القمة إلا الكلمات التي وصفت الوجود الأميركي في العراق بأنه احتلال كي تعلّق عليها، مؤكّدةً أنها معنية بالشكليات وليس بجوهر القضايا المطروحة.. بكلمة هنا، أو عبارة هناك، وليس بالقرارات والتوجّهات والاستراتيجيات الهامة جداً التي تبنّاها العرب، والتي يمكن أن تؤدي إلى سلام عادل وشامل ينهي سنوات الحروب والدمار ويؤسس لغد أفضل من أجل الأجيال القادمة.
المهم أن قمة الرياض أرست دعائم عمل عربي مشترك على أكثر من جبهة وصعيد ومهّدت الطريق أمام عودة ميمونة للتضامن العربي الذي كدنا ننساه ونيئس من تحقيقه.
ولأن العبرة بالخواتيم فإننا نأمل أن تتم ترجمة ما توافق عليه القادة العرب على أرض الواقع؛ كي تعود الروح إلى النفوس العربية المتعبة، ويعود الأمل إلى الشارع العربي من جديد.