عندما طالبنا باستراتيجية تتبناها الحكومة لوقف اتساع خلل التركيبة السكانية، ومن أجل الحفاظ على الهوية المحلية، لم نكن نطالب أو نتحدث من فراغ. فعلى سبيل المثال كانت قضية التوطين في السنوات الماضية لاسيما في القطاع الخاص قائمة على مبادرات فردية، من قبل بعض الشركات والمؤسسات الخاصة ورجال الأعمال، لكننا لاحظنا خلال السنوات الأخيرة انطلاق برامج وهيئات تدعو للتوطين من خلال الحكومة وبالتعاون مع القطاع الخاص، ابتداءً بهيئة «تنمية» مروراً ببرنامج الإمارات لتدريب الكوادر المواطنة، وغيرها من البرامج المحلية التي سعت لعقد شراكات واتفاقيات لتوطين القطاع الخاص، وإتاحة الفرص للمواطنين للعمل في القطاع الخاص دون الاعتماد على التوطين في القطاع الحكومي.
وبسبب تعدد هذه المؤسسات والبرامج، دعا أحمد حميد الطاير خلال فعاليات معرض الوظائف 2007 إلى إيجاد مظلة تضم هذه الهيئات والبرامج للتنسيق بينها ولتستطيع تحقيق الأهداف المنشودة، والنتيجة التي نراها اليوم تزايد أعداد المواطنين في القطاع الخاص الذي أبدى عدد كبير من شركاته ومؤسساته تعاوناً ملحوظاً لدرجة أصبح فيها يطلب مواطنين للعمل فيه، ويقدّم لهم الرواتب العالية والمميزات التي لا تقل عن القطاع الحكومي..
الشاهد في حديثنا عن تجربة التوطين، أن الدولة عندما توجهت للقطاع الخاص باعتباره شريكاً أساسياً، وعرضت عليه التعاون من أجل إفادة أبناء الوطن، كان لذلك نتائج إيجابية، فما بالنا لو حدث الأمر نفسه مع خلل التركيبة السكانية وقضية الهوية المحلية؟
حكومتنا تدرك هاجس مواطنيها من اتساع خلل التركيبة السكانية، والدليل على ذلك تصريحات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في حواره مع صحيفة «الحياة» إذ قال: «نحن نعترف بواقع الخلل السكاني مثلما هو حادث في جميع الدول الخليجية، غير أننا نؤمن بأن ضبط الأمور ليس مستحيلاً، ونبذل الجهود حالياً للوصول بالخلل إلى معدلات آمنة، والسيطرة عليه، وحسن إدارته بما يحفظ للوطن أمنه، وللمواطن هويته».
يتضح لنا من خلال تصريحات سموه اعتراف الحكومة مثلنا كأفراد بالخلل السكاني الناتج عن التوسع الاقتصادي، ويتضح لنا أيضاً نية الحكومة وعزمها على ضبط الأمور لأنها ترى ذلك ليس مستحيلاً، طالما أن هناك رغبة وطالما أنها تعتزم بذل جهود تستطيع من خلالها الوصول بالخلل في التركيبة السكانية إلى معدلات «آمنة»، وإدارة هذا الخلل، بحيث يمكننا حفظ الأمن والاستقرار في دولتنا، وحفظ هوية المواطن التي أصبحت مهددة في ضوء النمو الاقتصادي وما يجلبه لنا من عمالة.
أما كيف السبيل لذلك، وماهية هذه الجهود فهي أمور نأمل لو تطلعنا عليها الحكومة، لنتمكن من المساهمة فيها قدر الإمكان. كما نأمل أن تكون الهوية المحلية ضمن أولويات استراتيجية الحكومة الاتحادية التي أعلن عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، عندما قال في حديثه للصحافيين ورجال الأعمال أثناء زيارته للهند، «إنه سيتم الإعلان عن هذه الاستراتيجية في ابريل 2007».
خلل التركيبة الذي اتسع كثيراً لابد وأن نضع حداً لاتساعه لكي لا تفلت الأمور أكثر من أيدينا، فما تبقى لدينا الآن هوية محلية نرجو أن نحافظ عليها بعدما أضعنا فرصاً كان من الممكن استغلالها لمعالجة تركيبتنا السكانية التي أصبحت واقعاً صعباً ومراً.