مع الطفرة العمرانية الكبيرة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية ومع تطور الأسر ليس في نمط حياتها وأساليب عيشها فحسب بل حتى تغيرت في تواصل أفرادها فيما بينهم، فأصبح الواحد منهم يقيم مع شقيقه في الغرفة المجاورة لكنه بالكاد يراه أو يلتقيه، فالكل مشغول بحياته ومتى ما دخل غرفته ينعزل عن الآخرين ويعيش عالمه الذي يجد فيه كل متطلباته واحتياجاته.
واقع لم يعد يرضي البعض فأخذوا يتذكرون الماضي البعيد ويترحمون على أيامه التي كانت تجمع أفراد العائلة بأكملها، يجتمعون خلال الوجبات الثلاث - التي رغم بساطة ما كان يحويه «السرود» إلا أن الكل سعيد وكانوا عليمين بأحوال بعضهم، ومع ظهور الأجهزة الحديثة ظلت تلك العادات الجميلة مستمرة واللقاءات تتم، فإن لم تكن على إحدى الوجبات فكان اللقاء المسائي على جهاز التلفاز الوحيد الموجود في البيت أكيدا.
أما اليوم فليس أي شيء من ذلك كله بل لا يكاد رب الأسرة أو ربته يلتقيان إلا بالصغار، أما الكبار فلقاءاتهم تتم بالصدفة وفي المناسبات، لكن نحمد الله أن الصورة - وإن لم تكن وردية - فهي ليست قاتمة إلى ذلك الحد فالكثير من الأسر تحرص على اللقاء الأسبوعي، وأخرى أكثر من ذلك كما هو حال عائلة «بو أحمد» وبالطبع هناك غيرها من الأسر التي تقدس لقاءاتها هذه.
ولكن لعائلة «بو أحمد» حكاية جميلة مع هذه اللقاءات التي تعد جلستها متعة بحق، تسرق منك الوقت ويمر من غير أن تشعر به، ولعل أول الأشياء يكمن في المكان، فعلى الرغم من أن الأسرة تقيم في فيلا عصرية، ولأفرادها ذكورا وإناثا غرف وحجرات خاصة بهم لكنهم لا يقضون فيها سوى ساعات النوم، ومعظم أوقاتهم يقضونها في الغرفة الكبيرة التي بنوها في البداية ضمن الملحق الخاص بغرف الخدمات من مطبخ وغيره.
الغرفة هذه كانت في البداية لتناول طعام الغداء ومن ثم يتجه كل إلى غرفته، لكن شيئاً فشيئاً تغير الحال وأصبحت هذه الغرفة التي شهدت خلال السنوات توسعات عدة بها كل وسائل الاتصال والترفيه من أهم الغرف في الفيلا، إذ لم تعد فقط المكان الذي يجتمع فيه أفراد الأسرة لتناول الغداء ومن ثم الانصراف، بل أصبحت المفضلة لديهم جميعا ولا يودون غيرها، بل شهدت قرارات هامة ومصيرية في حياة هذه الأسرة ومن يتصل بها، فيها كانت أفراحهم وضحكاتهم وكذلك أحزانهم ودموعهم لمصاب ألم بهم.
فقرارات الموافقات على تزويج البنات واختيار الزوجات لشباب هذه العائلة خرجت من هذه الغرفة، اختيار أسماء المواليد تم في هذه الغرفة، لو ألم عارض بأحدهم أو مشكلة استعصت على آخر يخرج حلها من هذه الغرفة، عند المرض والسفر وغير ذلك تعد هذه الغرفة «الكونجرس» العائلي فيها يجتمعون، يتشاورون ويتناقشون، يختلفون، يعارضون، يحتكمون إلى التصويت فيما اختلفوا وفي النهاية يتفقون والرأي الأخير يكون جماعياً.
اليوم وحيث كبر الصغار وأصبحت لهم أسرهم الصغيرة وحياتهم الخاصة وانضم إلى الأسر أفراد جدد أزواج البنات وزوجات الأبناء وغيرهم لكن ظلت العائلة على عادتها تلك وبقيت الغرف محافظة على أدوارها بل وربما زادت عما كانت عليه.