كانت خرائب الحرب العالمية الثانية لا تزال تشكل بعض المشهد الأوروبي عندما وقّع ممثلو ست دول أوروبية هي إيطاليا وفرنسا وألمانيا (الغربية آنذاك) وبلجيكا وهولندة واللوكسمبورغ بتاريخ 25 مارس 1957 اتفاقية روما. كانت اللبنة الأولى في مسيرة البناء الأوروبي المشترك. الدول الست أصبحت تسعة عام 1973 ثم 12 عاما 1986 ثم 15 عاما 1995 ثم 25 عاما 2004 وأخيرا 27 منذ مطلع عام 2007. وبعد خمسين سنة التقى قادة وممثلو ال27 دولة أوروبية-الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، للاحتفال بذكرى انطلاق مغامرة التوحيد الرائدة.

أرادت أوروبا أن تطوي نهائيا صفحة الاقتتال التي كانت القارة قد ذاقت مرارتها مرتين في النصف الأول من القرن العشرين. حربان كونيتان انطلقت شرارتهما منها. عشرات الملايين من القتلى والجرحى. خراب ودمار وأحزان في كل بيت.

لم يكن المخاض سهلا. ولكن «من الأفضل التخاصم حول طاولة مفاوضات مما هو على أرض المعركة» كما قال عام 1957 «جان مونيه» أحد «الآباء المؤسسين» لأوروبا الموحّدة. مصاعب وعقبات وتحديات وتهديدات لم يكن أقلها الخطر الشيوعي القابع وراء الجبهة الأخرى، الشرقية، من «الستار الحديدي» الذي فصل بين غرب القارة «الرأسمالي» وشرقها «الاشتراكي» بعد الحرب العالمية الثانية.

خرجت بلدان أوروبا «المنتصرة» منها و«المهزومة» مهشّمة، خائرة القوى من تلك الحرب. المنتصران الحقيقيان كانا الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي. أدرك الأوروبيون «ضعفهم» وفهموا جيدا أن أمجاد إمبراطورياتهم السابقة، الاستعمارية، لم تعد سوى «ذكرى»، وأن عليهم مواجهة تحديين أساسيين هما السلام وإعادة البناء، وأن مصيرهم «اللاحق» يتعلق فيما يفعلونه اليوم.

هذا ما عبّر عنه بوضوح عام 1957 «موريس فور» الرجل الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة بين من شاركوا في صياغة اتفاقية روما، عندما قال: «نعيش اليوم على وهم أن هناك أربع قوى كبرى في العالم. كلاّ هناك قوتان فقط هما أميركا وروسيا، وستكون هناك قوة ثالثة في نهاية القرن هي الصين، ويتعلق بنا وجود قوة رابعة هي أوروبا». ويتذكّر السيد فور اليوم أن السماء كانت تمطر في روما يوم 25 مارس 1957 ك(دليل للعطاء) وأن المدينة رفعت شعار: «ستة شعوب وأسرة واحدة من أجل خير الجميع».

نجحت أوروبا في تحقيق السلام ونشر الديمقراطية في ربوعها. وأصبح الفرنسيون والألمان، أعداء الأمس، هم «محرّك» مسيرة التوحيد الأوروبي. ونجحت أوروبا في النهوض من رمادها كي تبني اقتصادا مزدهرا على مدى ثلاثة عقود «الثلاثينات المجيدة» بعد الحرب العالمية الثانية. ونجحت أوروبا في أن تنتقل ببلدانها من إطار مجموعة اقتصادية أوروبية مشتركة إلى اتحاد أوروبي له مفوضيته ومؤسساته. ومن نواة قوامها ست دول إلى كيان مترامي الأطراف يضم 27 دولة ويمتد حتى التخوم الشرقية للقارة. نعم إنها مغامرة «رائدة» لا تخفى إنجازاتها سوى على «العميان».

لكن النجاح الكبير لا يعني أنه لم تعد هناك تحديات كبيرة، جوهرية ومصيرية تواجهها أوروبا اليوم. أولها، وربما أصعبها، الخلاف حول مفهوم الهوية الأوروبية ذاتها، خاصة فيما يتعلق بـ «السيادة الوطنية» لكل دولة. هنا يبرز تياران يقول أحدهما بدفع عجلة الاندماج وصولا إلى تحقيق «الولايات المتحدة الأوروبية» بينما يرى الآخر أن «الوحدة السياسية لا تعني امتصاص الأمة»،كما قال روبير شومان وزير خارجية فرنسا في خمسينات القرن الماضي، والذي كان وراء التقارب مع ألمانيا بعد الحرب وأحد الذين كانوا وراء قيام المجموعة الأوروبية للفحم والحديد عام 1951.

وأسئلة جوهرية أخرى مطروحة على أوروبا الموحّدة اليوم ولا تزال تبحث عن إجابات، إذ أين تتوقف حدود أوروبا؟ وما هو الموقف الحقيقي من المشكلة-المعضلة المتعلقة بعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي؟ وما هو دور أوروبا في العالم؟ قطب سياسي له كلمته في شؤون العالم المصيرية إلى جانب، وربما «مقابل» الأقطاب الأخرى، أم مجرد قوة اقتصادية كبيرة؟

وقبل هذا وذاك، لا شك أن الاتحاد الأوروبي يواجه اليوم أكبر وأخطر أزمة دستورية منذ قيامه. إنه يشهد حالة «عطالة» كاملة في هذا المضمار منذ رفض الفرنسيين الموافقة في استفتاء عام يوم 20 مايو 2005 على مشروع الدستور الأوروبي المطروح عليهم. ثم لحق بهم في «الرفض»، بعد فترة وجيزة، الهولنديون، أي ما يعني بلدين رئيسيين من البلدان الستة الموقعة على اتفاقية روما.

الحلول المقترحة للخروج من هذا الطريق الدستوري «المسدود» متعددة وتتراوح بين تعديل القديم أو صياغة مشروع جديد. بكل الحالات اتفق القادة الأوروبيون «المحتفلون» في برلين بالذكرى الخمسين لاتفاقية روما، على أن يجدوا حلا للأزمة الدستورية خلال العامين القادمين.

الدرس الأوروبي للبناء المشترك بين دول وأمم تختلف لغاتها وخلفياتها التاريخية هو درس واضح ومقروء: انطلاقة- تقدم- عقبات- أزمات - تلكؤ - مواجهات- تصميم- إحساس بالمخاطر- تباين في الآراء- تشاور- انفتاح على الآخر- تحديد أولويات. وفي المحصلة النهائية خطوة إلى الوراء أحيانا وإنما خطوتان إلى الأمام دائما.

هذا الدرس الفصيح البليغ يدعوني، وأنا الذي يكتب بهذا الحرف ويحمل في جوانحه الشطآن التي دفعه قدره للابتعاد عنها، إلى التأمل بـ «المغامرة» الأخرى. وأميل إلى الاعتقاد أن الملايين تخامرهم نفس الحالة من «التأمل» بالمغامرة «الأخرى»؛ أي تلك التي عرفتها بلدان اللغة العربية الواحدة والآمال العربية الواحدة والتاريخ العربي الواحد والأمة!

قبل 50 سنة كانت مصر وسوريا تتأهبان لإقامة «الجمهورية العربية المتحدة».

وكان جمال عبد الناصر، رئيس جمهورية مصر العربية، قد أعلن قرار تأميم قناة السويس. وخاض المصريون جيشا وشعبا حربا بطولية ضد عدوان ثلاثي إسرائيلي-فرنسي-انجليزي. وكانت الجزائر تخوض حرب تحريرها. وكان مجرد مرور طائرة أحد قادة بلد من بلدان حلف بغداد كافيا لخروج مظاهرة احتجاج في بلدتي الصغيرة على الساحل السوري. وكانت هناك صحافة الرأي المتعدد. وكان... وكانت... لكن بالتأكيد كان للصورة وجهها المظلم.

وبعد 50 سنة ماذا بقي من ذلك كله؟

لقد ازداد السواد في الصورة، بل طغى عليها. وكل خطوة إلى الأمام قابلتها خطوتان إلى الوراء. إن الخراب والدمار والقتل وتحديات العولمة والتهديد الإسرائيلي، وغير الإسرائيلي، وكل ما دفع الأوروبيين في أوضاع أقل مأساوية إلى توحيد صفوفهم، لا يبدو أنه كاف لجعل أصحاب القرار العرب يتفقون على الحد الأدنى من توحيد الصف، دفاعا عن المصالح، المشتركة أو غير المشتركة، المشروعة. لقد اكتفوا، ويكتفون، بدور المتفرجين في عالم يتم تسيير أموره بدونهم، بل وضدهم أحيانا.

هل غدا حلما مستحيلا، أقصد وهما وتوهما، الأمل باتفاق أصحاب القرار العرب حول «خطة خمسية» ما ولو نفّذوها على مدى 50 سنة؟ يبدو أن قاع البئر لا يزال عميقا، ومسيرة التفكك قد لا تكتفي بـ (الوطن الكبير) وإنما قد تتسرب سمومها الفتّاكة إلى «الأوطان الصغيرة». إنهما مغامرتان: رائدة وجاحدة.

كاتب سوري