عزيزتي انجل.. اكتب لك من بلاد ما بين النهرين تلك البلاد التي لم أكن أنا أو أنت قد تعرفنا عليها من قبل لاننا نتاج النظام التعليمي الأميركي الذي يبرمجنا لنكون في خدمة الحضارة الرأسمالية التي تقودها بلادنا لذا فنحن ندرس ونتعلم فقط ما ينفع هذه الحضارة. وأنا وأنت وكل أصحابنا عندما نرقص الروك او نتمشى في شوارعنا المثقلة بالمتشردين والقتلة والمغتصبين، أو نذهب إلى السينما لتقوم هوليوود بغسل ادمغتنا بصور عن الحلم الأميركي وترينا أن الأميركي دائما منتصر وان العالم الاخر هو عبارة عن متوحشين وشرهين ومتخلفين. عند ذاك يا عزيزتي لا يمكننا أن نحترم الحضارات الاخرى أو نفكر في التعلم عنها ومعرفة قيمها.
عموما عزيزتي انجل لن اتعب عقلك الصغير بذلك الكلام لاني اعرف أن غسيل الدماغ الذي خضعنا له قد تم ولن ينفع كلامي في شيء لانك لن تصدقي. عزيزتي عندما قررت أن اذهب إلى العراق كان ذلك القرار وفق تلك المعطيات التي وصلتني كما وصلت إلى كل الاميركان والتي تقول بان هناك حربا ضد الارهاب تقودها الولايات المتحدة وهي أمر مقدس لان هذه الحرب ليس فقط للقضاء على الارهاب بل لنشر الديمقراطية ونشر قيمنا فقلت ( لما لا ).
ونحن في الطائرة التي كانت تقلني مع مئات الجنود فوجئت بان السيرجنت (مايكل) يقول لنا اننا ذاهبون لنحرر العراق من صدام حسين الذي حول العراق إلى دمار وشرد العراقيين وقتلهم وان الباقين يعيشون في السجون والمعتقلات التي بناها لهم واننا سنقدم خدمة كبيرة للعراق ولدول الشرق الاوسط وان العراقيين سيقدرونا وسيستقبلونا بالورود والحلوى فقلت «لما لا».
ولكن عندما نزلنا وجدنا معارك طاحنة وجثث الجنود الأميركيين كانت في كل مكان من القاعدة التي نزلنا فيها وجرحى كثيرون، وفي ذلك الوقت قال لنا الكولونيل (راي) انها معارك بسيطة وان النصر قريب، وأننا جئنا هنا في مهمة محددة وهي العثور على أسلحة الدمار الشامل التي يصنعها العراق ليهدد بها الولايات المتحدة والمصالح الغربية، وبعد أن يتم التخلص من تلك الاسلحة سنعود بالنصر إلى بلادنا فقلت أيضا ( لما لا ).
عزيزتي انجل انا هنا في العراق منذ أربع سنوات ولم اعرف لحد الان السبب الحقيقي الذي جعل قادتنا يرسلونا إلى العراق. والمفاجأة اني عندما وصلت إلى بغداد قبل أربع سنوات كانت عاصمة العراق جميلة وفيها كل متطلبات المدن الحديثة شبكات طرق متطورة ومياه وكهرباء وملامح جمالية وبيوت عصرية ومدارس وجامعات متطورة وليس كما قالوا لنا، عندها قررت ان أسأل لفتنانت (جون)،
فقال لي انتم هنا لكي تساعدوا في إعادة اعمار العراق ولكن ياعزيزتي صدقيني انني هنا منذ أربع سنوات لم أساعد احد في أي شيء، وان البلد تحول بعد مجيئنا إلى خراب تام هل تذكرين تلك الصور التي أرسلتيها لي عن إعصار كاترينا إنها تشبه بالضبط بغداد وبعض المدن العراقية بعد أن وصلنا لتحرير العراق.
عزيزتي انجل. .هل تعرفين انني اكتشفت أن كل شيء في حياتنا عبارة عن كذبة؟ لقد اكتشفت وان الجميع يكذبون علينا بدءا من الإعلام والصحف والتلفاز وانتهاء بقادتنا في الكونجرس والبيت الأبيض نحن عزيزتي عبارة عن حمقى تطحننا أحلام الرأسمالية وجشعها نحن الاميركان ندعي اننا محررون لا ياعزيزتي نحن أقبح وأسوأ أنواع المحتلين والغزاة،
ونحن ندعي الحرية ولكننا أسوأ أنواع السجناء ونحن ندعي الديمقراطية اذن سوف أرسل لك صور سجن ابو غريب العراقي لكي تشاهدي ماذا نفعل بالسجناء العراقيين نعذبهم ونغتصبهم وننتهك كرامتنا وكرامتهم إلى حد الجنون ثم نقتلهم. وهل تعرفين عندما نصحو في الصباح فاننا نبكي كالمجانين؟ لقد اكتشفنا أن كل الحضارة التي تربينا فيها لم تزرع فينا سوى الوحشية والجنون والانحطاط.
وبعد كل هذا وبعد أن نتجول في شوارع بغداد وشوارع المدن العراقية تراقبنا السكان كما يراقبون الكلاب الضالة، ونتعرض يوميا لكل انواع القتل ولا نستطيع أن نفرض سيطرتنا حتى على شارع واحد ليس لان هناك عدوا يقاتلنا بل لأن كل شيء. .كل شيء يقاتلنا. ونعود خائبين مهما كانت العملية المكلفين بأدائها. وفي آخر عملية كلفت بها وحدتي كانت عبارة عن دورية لحماية إحدى الشخصيات الهامة وهو واحد من أهم جنرالاتنا الابطال فتعرضنا إلى كمين، عنذئذ قام فصيل الدفاع عن هذا الجنرال بالانسحاب خلفنا وتركنا لكي نواجه النيران وحدنا دون أن يكلف أحد بمساندتنا في تلقي النيران الكثيفة.
عزيزتي انجل في الصباح عندما أفقت اكتشفت أني فقدت ساقي وفقدت كلتا يدي واني كنت محظوظا لان رفاقي الخمسة قد قتلوا في تلك المواجهة، وفي نفس الوقت فان الجنرال ارسل لي رسالة شكر لم اهتم لاي كلمة فيها سوى السطر الاخير الذي يقول فيه (كل شيء تقومون به هو لحماية انتصاركم في العراق)... عرفت اليوم يا عزيزتي أني منتصر لاني فقدت انسانيتي وفقدت ساقي وذراعي وفقدت عقلي وفقدت اصدقائي وفقدت ثقتي بكل الاوهام الأميركية.
والاهم من ذلك اني على وشك أن افقد حياتي لان الطبيب قد اخبرني أن الجرح في ساقي الاخرى قد تسمم وانهم فشلوا في إيقاف هذا التسمم وانه ليس أمامي سوى ساعات قليلة نصحني فيها بالصلاة وكتابة رسائل التوديع وبما انني أميركي منتصر فان الرب لن يغفر لي مهما صليت لذا اكتب اليك كي أخبرك قصة انتصاري في العراق.
كاتبة عراقية