بعد أن هدأت الأجواء في العاصمة السعودية الرياض والتي شهدت أروقتها انعقاد مؤتمر القمة العربية التاسعة عشرة بحضور معظم القادة والزعماء العرب يحق لنا التساؤل الآن ما الذي سيعقب المصادقة على البيان الختامي الذي صدر عن مؤسسة القمة - أعلى سلطة سياسية تمثلها جامعة الدول العربية - والتي تمر هذه الأيام ذكرى تأسيسها قبل 61 عاما.

وفي ظل ما تعيشه المنطقة العربية من محيطها إلى خليجها عبر ضفتيها هل يحق لنا أن نتفاءل أم نتشاءم أم «نتشاءل» حسب وصف اميل حبيبي في روايته المشهورة التي كتبها بعد حرب يونيو 1967؟ لا يمكن للمؤمن إلا أن يكون متفائلا ولكنه تفاؤل يجب أن يكون بعيدا عن السراب وأحلام اليقظة وحتى لا يقال إننا ننظر إلى نصف الكأس الفارغة ولا نرى النصف الآخر المملوءة وفي الوقت نفسه ندرك أن اشد ساعات الليل ظلاما هي تلك التي تسبق الفجر الصادق وبزوغ الشمس .

لا يهمنا ما احتواه البيان الختامي للقمة من عبارات منمقة والفاظ تدغدغ عواطف العامة من الشعب العربي وجماهير الأمة الإسلامية ، فالعبرة وان كانت في خواتيم الأعمال فإن التنفيذ وامتلاك آلية التنفيذ هي المحك الحقيقي والمعيار الصادق والعملي لهذه القرارات والتوصيات والبيانات المصاحبة .

والاهم من هذا كله ليس ما يعلن من قرارات وإنما ما يدور في الخفاء وما يعقد من لقاءات سرية وما يمرر من صفقات «تحت الطاولة» والتي نخشى أن تكون شطب حق العودة لأكثر من خمسة ملايين لاجيء فلسطيني على صعيد التسوية السياسية للصراع العربي ـ الصهيوني .

ما تعلمناه من تاريخ صراعنا مع الحركة الصهيونية ومن واقع حروبنا مع الكيان الصهيوني منذ نشأته عام 1948 انه بعد كل حرب يطرح مشروع سياسي لجني ثمار تلك الحرب والإقرار بنتائجها التي غالبا ما تكون لصالح العدو الصهيوني ومن يقف وراءه من قوى دولية واقليمية بغض النظر عن جنسيتها أو انتمائها السياسي وحتى حرب رمضان المجيدة/اكتوير 1973 أضعنا نتائجها الايجابية والتي تمثلت بتحقيق التضامن الفعلي العربي والإسلامي واستخدام سلاح النفط لأول وآخر مرة في تاريخ العرب،فضلا عن الانتصار العسكري على الجبهتين الشمالية /السورية والجنوبية المصرية .

حيث تحرك وزير الخارجية الأميركية آنذاك هنري كيسنجر ذو الأصل الصهيوني لإفراغ واحتواء الانتصار العربي المحدود وفق ما عرف بدبلوماسية الخطوة - خطوة والتي أسفرت عن توقيع اتفاقيات فض الاشتباكات على الجبهتين وانتهت بزيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات للقدس في نوفمبر 1977 والمتوجة بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في السادس والعشرين من مارس 1979. تلك الاتفاقية التي أسفرت عن الاعتراف بوجود الكيان الصهيوني لأول مرة ومن ثم كرت «المسبحة» لتشمل الأردن والسلطة الوطنية الفلسطينية وموريتانيا رسميا ودولا أخرى غيرها واقعيا.

ومن تابع كلمات الزعماء العرب قبل يومين تصيبه مشاعر التفاؤل والنشوة بأننا نشهد تحولا وتشددا في المواقف العربية من مختلف القضايا والملفات التي تهم العرب وناقشتها القمة مثل لبنان وفلسطين والعراق والسودان والصومال وما يحيط من قضايا إقليمية مثل الملف النووي الإيراني وما يشهده من تصعيد بعد احتجاز عناصر من البحرية البريطانية مؤخرا وما تجريه الولايات المتحدة من مناورات حربية في مياه الخليج العربي .

ولا يمكن أن نغفل أن قمة الرياض عقدت في أعقاب حرب الـ 33 يوما الإسرائيلية ضد لبنان والتي انتهت بكسر معادلة الحرب ومقولة «الجيش الذي لا يقهر» باعتراف القادة السياسيين والعسكريين «الإسرائيليين» بالإضافة لما تشهده ارض الرافدين من مقاومة صادقة لجيش الاحتلال الأميركي .

musaabueid@hotmail.com