يدور الجدل واسعاً في أكثر من بلد عربي بين أطياف النخب السياسية من مرجعيات ثقافية مختلفة وبالتالي برؤى مختلفة وأهداف مختلفة حول الصيغة الصحيحة للدولة وما يترتب على أساسها المعنى الصحيح للوطن والمواطنة التي يريدون لها أن تكون، بين اتجاهين رئيسيين.. الأول.. يدور بين من يطرح رؤيته ل«الدولة المدنية» مرة في مواجهة «الدولة العسكرية» أو «البوليسية» و أخرى في مواجهة «الدولة الإسلامية».
والثاني.. يدور بين من يدعو إلى «الدولة الديمقراطية» مرة في مواجهة «الدولة الطائفية» وأخرى في مواجهة «الدولة البوليسية» أو «العسكرية». مع ادعاء كل طيف أنه المعبر عما يريده الشعب، بينما الشعب المهموم بتأمين عيشه، وليس حياته، هو الغائب الأكبر وربما الوحيد في هذا الجدال الدائر بغير نهاية.
ولا اعتراض على اختلاف الرؤى الثقافية والسياسية لأنها الواقع والطبيعة في كل المجتمعات الإنسانية، بشرط أن يتم أولا ضبط المصطلحات والاتفاق ثانيا على مفاهيم كل مصطلح والوفاق ثالثا على تنظيم قواعد الاختلاف وترسيخ تقاليد الحوار، وذلك حتى يتطور الجدال إلى نقاش لا إلى عراك،والنقاش إلى حوار لا إلى شجار، وأن يؤدى الحوار إلى أجندة عمل وطني مشترك لا إلى أجندات غير وطنية متواجهة باستقواء كل طيف بداعم من خارج الوطن.
إن الترحيب بالاختلاف هو الأولى لكونه أساس الائتلاف، «فلا ائتلاف بغير اختلاف» و قد يبدو إلا فروق كبيرة بين سيمفونية موسيقية بآلات مختلفة، و سيمفونية سياسية بين رؤى مختلفة، بشرط وجود نوتة موسيقية واحدة في الحالة الأولى، وأجندة وطنية موحدة في الحالة الثانية..
غير أن هناك فارقاً جوهرياً واحداً هو أن النوتة السيمفونية يكتبها الموسيقار الواحد بينما يوزع المايسترو الواحد الأدوار على عشرات العازفين، ولا يشارك في صنعها جمهور الحاضرين وإن شارك في التصفيق لها في النهاية جمهور المستمعين، وقد يبدو هذا نوعا من الإملاء من الفرد على الجماعة والتكريس لوحدانية الفكر وديكتاتورية القرار.
بينما الأجندة الوطنية للسيمفونية السياسية تختلف، إذ لا يجب أن يكتبها لا الموسيقار الواحد ولا المفكر الوحيد بل ان تشارك في كتابتها جماهير المشاركين المتحدين بحثا عن الصيغة السياسية الصحيحة والنغمة الصحيحة وتكليف المايسترو الحاكم بتنفيذها، وفي هذا إعلاء لإرادة الشعب على من يختاره حاكماً والتكريس لجماعية الفكر وديمقراطية القرار.
في السيمفونية الموسيقية حوار غير حر بين أصوات مختلفة وإن كان ممتعا في النهاية، وفي السيمفونية السياسية حوار حر بين آراء مختلفة وان بدا صعبا في البداية وصاخبا في الوسط والعبرة بالنهاية.. هل يشارك الجمهور فيه فيصفق له أم يستأثر به النخبة أو السلطة فيعزف لها العازفون؟
لكن الاختلاف في الحالتين هو تعبير عن حالة حوار مطلوبة بين القوى السياسية والتيارات الثقافية المختلفة، لأن الحوار فى حد ذاته مهما اختلت نغماته يؤشر لعلامة صحة وحيوية في المجتمع باعتباره الاستجابة الموضوعية لتحدي الانقسام،
وجسر العبور من حالة خلاف إلى حالة توافق، إذ انه لا ينشأ إلا بين رؤى مختلفة بهدف التوافق على رؤية موحدة من القواسم النظرية والبرامج التطبيقية المشتركة..
وقد تعكس حالة الحوار فى ظاهرها حالة حرية يريد الشعب لها أن تتسع، فلا حوار بلا حرية،باعتبارها شرطا أساسيا لحرية التعبير عن الرؤى المختلفة بين المتحاورين، وشرطا ضروريا لنجاح أي حوار فى التوصل إلى رؤية مشتركة، وبغياب هذا الشرط لا يكون الحوار حوارا وإنما إملاء من طرف على عدة أطراف يعمق حالة الانقسام الوطني ويهدد الحرية والوحدة الوطنية معا.
وربما تعبر حالة الحوار بشكل ما عن حالة ديمقراطية يريد الشعب لها أن تكتمل وتترسخ على أسس المشاركة السياسية والمشروعية الشعبية وصولا إلى العدالة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، باعتبار أن الديمقراطية في تصور بسيط تعنى سلطة الشعب عندما تكون مباشرة في يده، أو تعنى مشاركة الشعب في صنع القرار الوطني عندما تكون غير مباشرة بواسطة من يختارهم بإرادة حرة وباقتراع نظيف ممثلين عنه لا عليه، وحكاما له لا عليه.
وربما يردد جميع الأطراف ومن يساريين ويمينيين، وإسلاميين وعلمانيين، ورأسماليين واشتراكيين، ودكتاتوريين وديمقراطيين مصطلحات كثيرة في ساحات الجدال والنقاش السياسي والإعلامي ولا مشكلة في ذلك بل تنشأ المشاكل من اختلاف المنابع الفكرية والمفاهيم الثقافية والأهداف السياسية لدى كل طرف..
بعض هذه المنابع عربية المنشأ وبعضها غربي المنشأ وبالتالي يكون بعضها تعريبيا أصيلا وبعضها تغريبيا وافدا، وبطبيعة الحال يشترك التيار التعريبي غالبا في مرجعياته الدينية والقومية، وبالتالي يجمع في مفاهيم مصطلحاته بما هو حضاري عربي وديني إسلامي متنافرا مع ما هو لا قومي ولا ديني ولا عروبي ولا إسلامي.
وبطبيعة الحال أيضاً يختلط التيار التغريبي في مرجعياته الثقافية بين ما هو عربي وما هو غربي بتعريب متعسف لبعض المصطلحات الغربية التي نشأت في واقع تاريخي يختلف وفي سياق حضاري يختلف ناقلا ثقافة غربية بكامل مفرداتها إلى المجتمعات العربية بما ترتبك معه المصطلحات وتتشوش فيه المفاهيم متوافقا مع ما هو ليبرالي وما هو علماني.
ومن ثم اما أن يؤدي اختلاط تلك المصطلحات واختلاف المفاهيم نتيجة اختلاف المرجعيات الدينية والثقافية إلى جدال وانقسام وطني إذا تقوقع كل تيار على ذاته وتشرنق في شرنقته وتخندق في خندقه في مواجهة غيره من التيارات السياسية الأخرى وإما أن يقود إلى ائتلاف وطني على قاعدة القواسم المشتركة بالحوار المتبادل والسعي للتفاهم المشترك والتوافق الوطني على الوسائل والغايات، والتقريب لا التفريق، والتعريب لا التغريب باحترام القيم الدينية والثقافية وتأكيد الثوابت الوطنية والقومية وفي مقدمتها الحرية والمشاركة والوحدة والكرامة الإنسانية،والعدالة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية بين الجميع ولصالح الجميع دون اسئثار أو استثناء.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com