حمل العرب جميعا أغصان الزيتون في أيديهم، وألقوا بالكرة ـ ليس في الملعب الإسرائيلي فحسب ـ بل تجاه المجتمع الدولي الموكل إليه حماية الشرعية الدولية والذي بات عليه أن يتحمل مسؤولياته الفعلية والجادة نحو تحقيق الأمن والسلم الدوليين في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة التي لم تعرف أمنا ولا استقرارا منذ نشأت الدولة العبرية في قلب الوطن العربي. أغصان الزيتون هي مبادرة السلام العربية التي صارت خيارا استراتيجيا لأمتنا التي سلبت حقوقها تحت سمع وبصر من يسهرون على تنفيذ العدالة الدولية.
انها الفرصة الذهبية لانتشال المنطقة من أزماتها المستعصية التي مر عليها ستة عقود. المبادرة هي أقصى ما استطاع العرب أن يقدموه لتلك الدولة التي فرضت على أمتنا العربية وصارت أمرا واقعا على الخريطة الدولية. بل يمكن القول بأنها آخر ما يحمله العرب من أوراق أمام الطرف الآخر.
وهي لا تعني استسلاما ولا خنوعا، فالمبادرة في جوهرها تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وبالتحديد القراران 242 و338 الصادران من مجلس الأمن عامي 67 و73 . وهي تعني أن العرب حريصون على تطبيق العدالة الدولية لا أكثر ولا أقل. ففحوى المبادرة باختصار هو : الأرض مقابل السلام، وبمعنى أوضح : انسحاب إسرائيل من كافة الأراضي العربية التي احتلتها في يونيو 1967، وفي المقابل تنال السلام مع العرب.
لقد أكدت قمة الرياض على الالتزام العربي بالسلام العادل والشامل كخيار استراتيجي، وان عملية السلام عملية شاملة لا يمكن تجزئتها وان السلام العادل والشامل في المنطقة لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة بما في ذلك الجولان العربي السوري المحتل وحتى خط الرابع من يونيو 1967، والأراضي التي ما زالت محتلة في الجنوب اللبناني، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194) لسنة 1948، ورفض كافة أشكال التوطين والتأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.
انه موقف عربي واضح، يؤكد احترام الدول العربية للشرعية الدولية وكافة مقرراتها. فهل في ذلك ما يحتاج من إسرائيل إلى جدل ومماطلة أو تملص من الالتزامات الدولية؟ للأسف ، لا توجد استجابة جادة من جانب إسرائيل لنداء السلام الذي أطلقه العرب. تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت، ومن قبله «تابعه» العجوز شيمون بيريز، تؤكد أنها غير جادة في دفع مسيرة السلام إلى الأمام.
ما تريده ويعلن عنه قادتها هو «تطبيع العلاقات مع العرب وإقامة السلام ، وفيما بعد تفتح ملفات الأراضي العربية المحتلة على مائدة مفاوضات لا نهاية لها أشبه بمن يدور في حلقة مفرغة». لقد أعلنت إسرائيل على لسان حكامها ـ بأسلوب اللف والدوران ـ رفضهم الموافقة على مبادرة السلام العربية. ولكي يتجملوا أمام العالم والمجتمع الدولي الذي تتجاهل إسرائيل كل مقرراته، رفضوا الصيغة الحالية للمبادرة، ودعت الدولة العبرية إلى مفاوضات قال أولمرت، إنه يمكن من خلالها لكل طرف ان يدافع عن مواقفه للتوصل إلى تسوية في الشرق الأوسط.
مماطلة وخداع. بل وبالأصح عملية «نصب» إسرائيلية على الشرعية الدولية. ان الدولة العبرية ـ طبقا لتصريحات قادتها ـ تريد سلب حقوق الشعب الفلسطيني وبالتحديد حق اللاجئين المشروع في العودة إلى ديارهم. تريد إسرائيل ابتلاع القدس الشرقية العربية، وترفض ـ كما تصرح من حين لآخر ـ أن تتزحزح عن أراضي الضفة الغربية وتفكيك الكتل الاستيطانية الكبرى التي أقامتها على مدى أربعة عقود من استيلائها على ما تبقى من فلسطين الغالية عام 1967.
ان المبادرة ستتحول إلى مجرد حبر على ورق، ما لم يتحرك المجتمع الدولي وينتهز هذه الفرصة الذهبية التي وفرها العرب من خلال مبادرتهم السلمية الجادة. وعلى من يديرون شؤون عالمنا المعاصر، وبالتحديد حملة الفيتو الذين بمقدورهم إجبار إسرائيل على الالتزام بالشرعية الدولية، ان يتحركوا لإلزام الدولة العبرية بانتهاز فرصة السلام. وبدون هذا التحرك، فلا أمل في السلام العادل والشامل الذي ننشده