كلام جميل، حاسم وقاطع، سمعناه خلال الأيام القليلة الماضية يدعو إلى التفاؤل والأمل بأن نتائج إيجابية ستخرج بها قمّة الرياض العربية التي تبدأ اليوم: القمّة يجب أن تنجح. لا ندّعي أن القمّة ستقلب الأمور رأساً على عقب، وتضع الوصفات الجاهزة و«المضمونة» لعلاج الوضع العربي الذي يعاني أمراضاً مزمنة. ‏

ولا نزعم أنّ استراتيجية عربية موحّدة سترى النور غداً عندما تُختتم القمّة، ويعود القادة إلى عواصمهم، وأنّ هذه الاستراتيجية ستعيد لمؤسسة القمّة ألقها، وتعطي القرارات حقّها في التنفيذ الفوري والعاجل وغير القابل للتأجيل. ‏

ومع ذلك سنتخلى قليلاً عن تشاؤمنا وسنعتبر زيارة الآنسة كوندوليزا رايس للمنطقة و«أوامرها» للعرب عشية القمّة ،وما يجب عليهم أن يفعلوه؛ سنعتبر هذه الزيارة وتلك الأوامر كأنها لم تكن.. فلنا ثقة ­على الرغم من كل شيء­ أنّ العرب شبّوا عن الطوق، ولم يعودوا يقبلون تلقي الإملاءات والأوامر. ‏

سنتخلّى عن التشاؤم ونعطي أنفسنا جرعة تفاؤل وأمل بأن الأمور ستكون أفضل، وأنّ النيّة تتجه نحو صحوة عربية.. ولو جاءت متأخرة. ‏

ما يدفعنا إلى تنحية التشاؤم وفتح الطريق أمام التفاؤل المشروع، ليس خطورة الأوضاع على الساحة العربية وتحسّس القادة العرب لحراجة الموقف وصعوبة الظروف الراهنة فحسب، بل ذلك الكلام الجميل والحاسم والقاطع الذي أشرنا إليه، والذي قيل عشية انعقاد القمّة، وأيضاً من تلك التحضيرات التي نرى أنّها جيدة من أجل إنجاح هذه القمّة. ‏

ما أحوج العرب اليوم إلى أجواء التفاؤل التي عشناها على مدى أيام ونرجو أن تترجم أعمالاً على الأرض لا أن تظلّ في إطار النيّات الحسنة والأماني. ونظنّ أن أجواء التفاؤل هذه ستنتقل إلى أروقة القمّة ؛حيث ستسهم اللقاءات الثنائية والثلاثية وغير ذلك، في وضع القطار على سكّته الصحيحة، وتجاوز مرحلة الأجواء المحتقنة في أكثر من قضية عربية وبين أكثر من جهة عربية..

وهي مرحلة أَرْخَتْ بسدولها الثقيلة على الأمة العربية، وانعكست سلباً على العمل العربي المشترك الذي غاب إلى حدّ كبير ولفترات طويلة. ‏ ونعتقد أنّ تبديد أجواء الاحتقان تلك يعتبر إنجازاً بحدّ ذاته.. ولكن المطلوب أكثر من مجرّد تجاوز سحابات الصيف التي عبرت السماء العربية. ‏

فالشارع العربي الذي كان يقبل قبل سنوات بقرارات وتوصيات ومواقف الحدود الدنيا، أصبح اليوم أكثر خشية من الهبوط إلى ما دون تلك الحدود، التي تعتبر الخطوط الحمراء وتجاوزها يعني التفريط بالحقوق، والتخلّي عن الثوابت العربية والقضايا العربية ومستقبل الأجيال العربية. ولا نظن أن أحداً من القادة العرب قادر على المغامرة في هذه القضية.. أو أنه سيتحمّل حساب التاريخ والشعوب إذا ما تجاوز تلك الخطوط تحت أي ضغط كان، ومن أي جهة كانت. ‏

ولعلّ ما تعرّض له التضامن العربي من هزّات وانتكاسات وطعنات في الظهر خلال سنوات خلت، انعكس سلباً على كل العرب. فهل كان العراق سيقع تحت الاحتلال لو كان للعرب كلمة موحّدة؟ وهل كانت إسرائيل ستضرب مبادرة السلام العربية بالشكل الذي تابعه العالم أجمع بعد قمة بيروت 2002 لو كان العرب متضامنين، يدافعون عن مبادرتهم وحقوقهم ووجودهم كما يقتضي المنطق والضرورة، وقبل هذا وذاك: المصلحة القومية العليا؟. ‏

قلنا: إن الوضع العربي يعاني أمراضاً مزمنة.. وقد يكون التضامن الفعّال الحقيقي الذي عشناه خلال حرب تشرين عام 1973 هو البلسم الذي يُداوي هذه الأمراض والجراح. ‏

وإذا كان لابدّ من كلمة حقّ، ونحن على أبواب القمّة، فإننا نقول: إن سورية التي اتّهمت ذات يوم بأنها عزلت نفسها عن العرب وعملت على خطّ آخر؛ سورية هذه أثبتت في الماضي، وتثبت بالبيان القاطع اليوم أنّها الأحرص على استعادة التضامن العربي وبلورة رؤية عربية موحّدة لما هو عليه الوضع اليوم، ولما يجب أن يتفق عليه العرب غداً. ‏

يجب ألا يغيب عن بالنا ما آلت إليه الأمور في العراق، والوضع في دارفور، ومحاولات القوى العظمى الاصطياد في المياه العكرة العربية.. كما يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن التفرّد الأميركي بقضايانا، ومحاولة طرفين أو ثلاثة أطراف، أو أكثر، إعادة رسم خارطة المنطقة؛ أن هذا وذاك ما كان ليحصل لولا غياب التضامن العربي، ولولا سحابات الصيف التي صنعناها بأيدينا، ولولا سعي بعض العرب إلى إرضاء من يقبع وراء المحيطات حتى لو كان على حساب الحقوق العربية. ‏

اليوم لم يعد مقبولاً إدارة الظهر للتضامن العربي، والقول إن من يتحدّث عن هذا التضامن إنما هو حالم أو من مخلّفات الماضي!!.. ومادام العرب قرروا المصارحة والمكاشفة وأعلنوا عزمهم على العمل الجاد من أجل الدفاع عن قضايا العرب المصيرية، وفي مقدّمتها السلام العادل وفق المبادرة العربية بنصّها وروحها ودون تعديلات مغرضة؛ مادام العرب كذلك، فإن الأمل موجود بنتائج إيجابية وحاسمة.. والشارع العربي بالانتظار.