قد يكون من حُسْن الصُّدف أن يتزامن النجاح الكبير الذي حققته قمة العرب الـ 19 التي اختتمت أعمالها يوم أمس بالرياض، باحتفال أبناء الأمة بالذكرى العطرة للمولد النبوي الشريف على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.. حيث أن في دلالات هذا التزامن ما يوفر زاداً مهماً من الدروس باعتبار أن المرجعية الدينية والسلوكية لسيرة النبي الكريم محمد بن عبدالله لا شك أنها أولت عناية متميزة لقيم التوحد والتضامن بين أبناء الأمة، وجعلت من ذلك شرطاً لبلوغ الأهداف والغايات المنشودة وصلاح الأمة وضماناً لتحقيق العزة والمنعة والكرامة.
لقد كان أبناء الأمة، وحتى وقت قريب، بحاجة إلى مثل تلك الإرادة التي عبرت عنها قمة الرياض، ليس فقط لتبديد عوامل الإحباط واليأس التي ألقت بظلالها السوداوية والكئيبة على واقعنا العربي، وإنما لإعادة الاعتبار لكيان هذه الأمة وتاريخها الحضاري والإنساني الذي طاله التهميش في العقود الأخيرة بفعل عدة ظروف كان من أهمها ارتهان العرب لانتماءاتهم القطرية ليصبح هذا التقوقع الانزوائي بمثابة الساتر الذي نحجب به أخطاءنا وقصورنا، وإخفاقاتنا.. وهو ما انعكست مظاهره في التعثر المستمر الذي مُنيت به مسيرة العمل العربي المشترك خلال مراحله المختلفة.
ونعتقد في هذا الصدد أن الذاكرة العربية لم تنس أنه وبمجرد خروج العرب من قمتهم الأولى في انشاص عام 1946م حدثت نكبة فلسطين لتتوالى حلقات الاستنزاف واحدة بعد الأخرى..
ولعلنا ما زلنا نتذكر أنه وبعد ساعات من إطلاق العرب لمبادرة السلام التي اعتمدتها قمة بيروت 2002م جاء الرد الاسرائيلي عبر قيام ارئيل شارون بتوجيه جنرالاته باجتياح جنين ورام الله.. ليتكرر نفس الشيء عقب قمة شرم الشيخ في مارس 2003م، حيث تم الرد على رفضها لأي عدوان على العراق باجتياح هذا البلد في الشهر نفسه من قبل القوات الأجنبية واحتلاله.
وما كان لكل ذلك أن يحدث لولا حالة الضعف والتشرذم التي سيطرت على مجريات الأداء العربي ليظهر فيها هذا الأداء عاجزاً ومشلولاً حتى عن مجرد الدفاع عن قراراته.
وما يحسب لقمة الرياض أنها أخذت بمبدأ المصارحة والمكاشفة ولم تلجأ إلى تبرير أخطاء الماضي، بل ومن خلال ما جاء على لسان القادة أنها التي دعت إلى الاتعاظ والاستفادة من دروس الماضي عبر تأكيدها على وحدة الموقف العربي، أكان ذلك تجاه مبادرة السلام التي تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام أو حيال ما يتصل بالقضايا الأخرى..
وفي التعبير عن هذه الإرادة الموحدة تبرز أهمية الإنجاز والقيمة الكبيرة للنتائج التي خرجت بها قمة الرياض، والتي كانت كما وصفها فخامة الرئيس علي عبدالله صالح - رئيس الجمهورية - قمة ناجحة بكل المقاييس، لجملة من الاعتبارات يأتي في صدارتها ما احتوت عليه هذه القمة من سمات المصداقية والجدية..
وهو ربما ما أزعج اسرائيل التي لم تعتد على مثل هذه الجدية العربية.. ولذلك فقد سارعت إلى التعبير عن ذلك بإعلان رفضها لمبادرة السلام.. وهو الأمر غير المستغرب من قِبَل ذلك الكيان المتطرف الذي يحتل الأرض العربية ويرفض قرارات الشرعية الدولية ويعمل على تكريس وجوده بالبطش والإرهاب والاستحواذ على حقوق الآخرين.
ومع ذلك يبقى من الواضح أن ردة الفعل الاسرائيلية هذه المرة قد بدت مخنوقة منذ اللحظة الأولى، بل إنها قوبلت بالاستهجان لكونها قد كشفت الوجه الإسرائيلي القبيح أمام العالم.وهي أول نقطة انتصار يسجلها العرب لصالحهم بعد ساعات من نجاح قمتهم بالرياض..
ومن الإنصاف - هنا - الإشادة بالجهود التي بذلها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من أجل إنجاح القمة، حيث تكللت تلك الجهود في تقريب وجهات النظر وتذليل كافة المصاعب والعقبات أمام التوصل إلى ذلك التوافق العربي الذي تحقق في هذه القمة.
وفي الوقت نفسه فإن الأمانة تقتضي أن نثمن هنا تثميناً عالياً الدور الإيجابي الذي قام به فخامة الرئيس علي عبدالله صالح - رئيس الجمهورية - على صعيد احتواء بعض التباينات التي برزت.. مما أسهم في التغلب على الشق الأهم والأصعب الذي كان يعترض طريق التوصل إلى مثل ذلك التوافق.
ولا شك بأن الجميع قد تابع التحركات التي قام بها فخامة الأخ الرئيس قبيل انعقاد القمة وخلالها بغية تأمين فرص النجاح لهذه القمة وخروجها بالنتائج المثمرة التي نعوِّل عليها أن تشكل منطلقاً أساسياً لترسيخ عوامل التضامن والتكامل العربي، وتطوير آلياته في إطار منظومته الواحدة والمتوحدة، خاصة وأنه لم يعد هناك من خيار للعرب سوى خيار العمل المشترك .
والاندماج في إطار التكامل الذي أصبح قدرنا، بل مصيرنا الذي يترتب عليه ضمان حاضرنا ومستقبل أجيالنا القادمة..وعلينا أن نستثمر هذه الانطلاقة الجديدة على نحو صحيح ونجعل منها نقطة ارتكاز لتعزيز اقتدار الأمة وحماية أمنها الشامل وصون استقرارها وحقها في التطور والنبوغ، واحتلال مكانتها الحضارية على الخارطة الدولية.