حفلت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني الشاملة، الواضحة والحازمة بالقمة العربية التاسعة عشرة التي انتهت للتو في العاصمة السعودية بكثير من الإشارات والرسائل يجدر التوقف عند مضامينها ودلالاتها وخصوصاً في المرحلة الجديدة الراهنة التي دشنتها القمة وإعلان الرياض والذي يتطلب في جملة ما يتطلب الدعوة التي وجهها جلالته بضرورة بلورة موقف عربي موحد لمواجهة التحديات والأخطار والذي يستدعي بالضرورة حشد الطاقات والقدرات والموارد لخدمة المصالح العربية المشتركة..
واذ جلالة الملك لا يعتمد سوى لغة واحدة في التعبير عن المواقف الاردنية ازاء القضايا والملفات الساخنة - وغير الساخنة - التي تواجهها أمتنا فان جلالته - وهنا الاشارة الثانية - قال للقادة العرب واضعاً اياهم امام مسؤولياتهم التاريخية والاخلاقية والسياسية والقومية: اننا اليوم امام خيارين لا ثالث لهما فاما ان نستنهض قوانا ونوحد مواقفنا وسياساتنا لبناء ثقل عربي اقليمي نواجه به التحديات والاخطار التي تحيط بنا والتي تهدد أمننا ومستقبل اوطاننا - وأما (وهو خيار لا يقبل به الاردن او يرتضيه بل يرفضه بلا تردد) ان نبقى على ما نحن عليه من فرقة وخلافات تضعف موقفنا امام العالم وتغري الآخرين بالهيمنة على منطقتنا والتدخل في شؤوننا وفرض اجنداتهم علينا..
الرسالة الأردنية واضحة لا تحتمل قراءة اخرى ولا تقبل التأويل او الالتباس وهي منطلقة من قناعات راسخة مستندة الى ارث عظيم من التعاطي الأردني مع قضايا الامة من وحي دوره وواجبه التاريخي والقومي في مساندة الاشقاء ومناصرة الاخوة والحرص كل الحرص على ترسيخ الاحترام لسيادة كل دولة من الدول الشقيقة ورفض التدخل في شؤونها اياً كان مصدره من هنا كانت كلمة جلالة الملك على اعلى درجات الوضوح في شأن مستقبل وسيرورة عملية السلام وخصوصاً ان الدبلوماسية الاردنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني شخصياً قد نهضت بمهمة جليلة ونبيلة.
تمثلت في النجاح الذي سجلته في وضع القضية الفلسطينية على صدارة جدول الاعمال الدولي وكان خطاب جلالته امام الكونغرس الاميركي بمجلسيه تتوجياً وذروة النجاح الذي اصابه الجهد الملكي المكثف والدؤوب عندما قال جئت لأتكلم لم يعد الصمت ممكناً .. وكان طرحه للمبادرة العربية ودعوة عواصم القرار الدولي وبخاصة الولايات المتحدة لما لها من نفوذ ودور الخطوة الضرورية التي سهلت عمل قمة الرياض واوجدت آليات عملية بعد ان تبنتها بشكل جماعي وزخماً واضحاً بلورته اشارات جلالته في كلمته امام القمة : ان تحقيق السلام بين الدول العربية واسرائيل لا يمكن الوصول اليه إلاّ اذا تعاملت اسرائيل مع المبادرة العربية التي تمثل المشروع العربي الجماعي للسلام بايجابية وجدية واحترام والتزام ..
ولئن حرص جلالة الملك على ابداء التقدير للدور الذي قامت به الادارة الاميركية خلال الاسابيع الاخيرة بهدف تحريك العملية السلمية للوصول الى اقامة الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني فإنما للتأكيد على مسألة يجب ان لا تغيب عن ذهن احد او تسقط عن جدول الاعمال الدولي وهي ان التعامل الجاد والايجابي من قبل اسرائيل مع المبادرة العربية انما يشكل تحدياً حقيقياً للزعماء والقادة في المنطقة والعالم وفي شكل خاص الولايات المتحدة بما هي راعية للسلام وبات مطلوباً منها الان اكثر من أي وقت مضى ولاسباب لا تخفى على احد حيث الخيارات محدودة وحيث الوقت آخذ بالنفاذ ، الايفاء بما التزم به الرئيس جورج بوش ازاء اقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة ومتواصلة جغرافياً وتعيش الى جانب اسرائيل.
وكما كان خطاب جلالة الملك امام الكونغرس الامريكي مكرسا للمسألة الفلسطينية شرحا وتوضيحا، تحذيرا وقراءة عميقة من مغبة السماح باستمرار الجمود ولعبة شراء الوقت فان كلمة جلالته امام قمة الرياض ذهبت في الاتجاه ذاته بالقوة والزخم والارادة عينها داعيا القادة العرب الى تحمل مسؤولياتهم وخصوصا بما توفره الفرصة الراهنة التي قد لا يتوفر للعرب مثيل لها لاستعادة الحقوق العربية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية التي اطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في العام 2002 والتي ما تزال تشكل قاعدة مقبولة من الجميع للوصول الى حل عادل وشامل للصراع العربي الاسرائيلي على جميع المسارات.
وحتى لا تبدو الامور للبعض وكأنها اعفاء من المسؤولية او اتكاء على عوامل خارجية فان جلالة الملك قرأ للقادة العرب من كتاب الاردن التاريخ الحضارة والارادة الصلبة والالتزام بالقضية الاولى فعلا ميدانيا لا مجرد اقوال او ردود فعل ولهذا قال جلالته في وضوح: ان ما توفره الفرصة الراهنة يتطلب منا جميعا الالتزام الكامل بدعم وحدة الشعب الفلسطيني وقيادته المسؤولة التي يجب ان تسعى بكل ما تستطيع من اجل ضمان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعلى اساس المبادرة العربية.
جملة القول ان الدور الحيوي الذي نهض به جلالة الملك شخصيا طوال الاشهر الماضية قد تمت ترجمته عمليا من خلال النجاح الذي سجلته قمة الرياض وما انطوى عليه اعلان الرياض من مضامين ومواقف عملت الدبلوماسية الاردنية طويلا على تجسيدها وبلورتها في المشهد العربي استنادا الى ارادة عربية قوية وصلبة تستند في الأساس الى قرارات الشرعية الدولية التي يدعمها المجتمع الدولي لأن أي عمل لا يستند الى مثل هذه الشرعية سيفضي الى نتائج وخيمة تهدد بضياع الفرصة الراهنة والأخيرة لايجاد تسوية عادلة وشاملة للصراع العربي الاسرائيلي.