في حياتنا نرتبط بمن نحترمهم ونحبهم، وأحياناً نعشقهم إلى درجة الجنون، حتى يتملكنا إحساس أننا أصبحنا غير قادرين على فراقهم، بل يصبح مجرد تخيل تلك اللحظة بمثابة المستحيل بعينه، ولكن كما هي حال الدنيا وكما هو مكتوب علينا يحين موعد تلك اللحظة الصعبة بل أصعبها على الإطلاق، ومن غير وداع يرحلون عنا هكذا في صمت رهيب ليتركوا وراءهم قلوباً تأبى نسيانهم، ويخلفوا في المآقي دموعاً ترفض أن تغادرها.

يذهبون رغماً عنهم أو بمحض إرادتهم، لا يهم كيف هو شكل الرحيل أو أوانه، بل إنه تم وأصبح أمراً واقعاً، وأصبح من عرفناهم وأحببناهم ذكرى جميلة نحرص على أن تظل كما كان أصحابها تحتل مكانة عظيمة في نفوسنا، بل ونقدرها عالياً علو ما ارتفعت السموات عن الأرض.

نفقد أحبة ونفتقدهم، بل ونفتقد دفء كلماتهم التي لطالما منحتنا قوة ورغبة في الحياة، نفتقد لمساتهم الحانية التي لطالما وجدنا فيها زاداً يعيننا على المضي قدماً نحو آفاق رحبة ومساحات شاسعة من فرح غائب أو هكذا خيل لنا، فكانوا مستكشفي تلك الزوايا التي غابت ملامحها فظهرت بفضلهم واضحة جلية.

بالرحيل والفراق تتغير النهارات، فلا تعود عقارب الساعة كما كانت تمضي بطيئة في لحظات انتظار مجيئهم وتسابق الريح في حضرتهم، لتعلن دقاتها نهاية الوقت ليغادروا المكان في حفل هو أشبه بحفل «سندريلا» التي تخشى العقاب، فتغادر مع دقات منتصف الليل لتحيا بعد أمسية رائعة لحظات تلك الساعات، التي لا تلبث أن تنجلي لتعود في نهاية المطاف ـ المسكينة ـ إلى وسادتها القديمة، تذرف عليها ما تبقى من دموعها وتتجرع آلامها في صمت.

«الظاعنون» أو الراحلون من غير وداع يخلفون وراءهم فراغاً قد لا يجد من يسده بعدهم، وحزناً ليس كغيره من الأحزان التي تبدأ ـ كعادتها ـ كبيرة، لا تلبث أن تصغر شيئاً فشيئاً حتى تتلاشى، بل على العكس يبدأ كبيراً ويكبر أكثر حتى تصبح الضلوع غير قادرة على تحمل قلب أعياه تلاحق نبضاته وتسارعها.

ولتبقى في النهاية ذكريات كلمات اختاروها من أشعار تغنت بها «كوكب الشرق»، وأمثلة رددوها من التراث وحب غمروا به أحبتهم، وخوف أبدوه لعارض ألم بهم، فكانوا في ذلك كطائر يفرد جناحيه ليحمي صغاره من أي خطر يداهمهم في عش لم يتمكن من تأمين الحماية لهم. من الأعماق نبث الدعوات مملوءة بالشجن لكل من كان الرحيل سبيله اختاره بنفسه، أو لمن كان قدراً كتب عليه، ولم يملك إزاءه تبديلاً أن ترعاه عناية رب العالمين وليحسن عزاء من صبر.

fadheela@albayan.ae