بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أخذ اليساريون في الحديث عن الأخطاء الأميركية التي يرون أنها السبب وراء الهجوم الوحشي الذي قام به أسامة بن لادن. على سبيل المثال تقول الكاتبة الراحلة سوزان سونتاج، وهي تبرر الهجمات الانتحارية التي يقوم بها الإرهابيون: «أين الاعتراف بأن ما حدث لم يكن هجوما «جبانا» على «الحضارة» أو «الحرية» أو «الإنسانية»
أو على «العالم الحر»؛ إنه كان هجوما على من أطلقت على نفسها القوة العظمى في العالم، فما حدث كان نتيجة ما قامت به أميركا من تحالفات وأعمال؟» غير أن هناك أيضا من معسكر اليمين من قال إن غضب المتشددين كان ردة فعل على ما ارتكبناه من خطايا، فقد قال جيري فالويل إن أميركا التي لا تعترف بالله قد نالت ما تستحقه: «إلى هؤلاء الملحدين ومؤيدي الإجهاض والشواذ الذين يحاولون بجدية أن يفرضوا ما يؤمنون به كأسلوب حياة بديل ـ إلى كل هؤلاء أقول في وجوههم: «أنتم ساهمتم فيما حدث».
الآن هناك زاوية أخرى للعبة «توجيه اللوم لأميركا»، يتبناها اليمين العلماني. ففي كتابه بعنوان «العدو في الداخل»، يتهم دينيش دي سوزا، من مؤسسة هوفر التي أعمل فيها أنا أيضا ـ يتهم أميركا بالقول إن «ثقافتنا المنحطة تغلق الباب أمام المسلمين التقليديين وغالبا ما تدفعهم إلى التعاطف مع شعارات المتشددين». ويكمل دي سوزا بالقول إن فجور اليساريين هو الذي، بشكل غير مباشر، أوجد بن لادن.
ويرى دي سوزا أن اليساريين، الذين هم من وجهة نظره في تحالف حقيقي مع الإرهابيين، يتآمرون لوضع نهاية لأميركا بقيمها التقليدية، والحل الذي يقدمه دي سوزا هو أن يحتضن المحافظون الأميركيون المسلمين المحافظين ويتحدون معهم ضد اليساريين الأميركيين الذين أساءوا تمثيلنا، وضد المتشددين المسلمين الذين يسيئون تمثيلهم، أي المسلمين المحافظين، غير أن محاولات دي سوزا لتوجيه اللوم لملايين الأميركيين بسبب أحداث سبتمبر لم تكن مقنعة تماما مثلما كانت محاولات سوزان سونتاج ووفالويل .
فأولا يقول دي سوزا إن هناك عددا من «المتمردين في الداخل» الذين «يريدون الانتصار لابن لادن» على حد تعبيره في كتابه. القائمة التي يفردها لهؤلاء تخلو من أي منطق. فمهما كان رأي أي منا في حكمة جيمي كارتر أو الراحل مولي إيفينز أو في مفكرين من أمثال توني جودت أو مارثا نوسباوم أو جيري ويلز
فإنه لا يمكن أن يكون أي منهم قد أراد أن يهزم بن لادن الولايات المتحدة، وهو الانتصار الذي لو كان تحقق لكان قد دمر أي تسامح ليبرالي في هذا البلد، ويرد كذلك في تلك القائمة اسم الروائي سلمان رشدي . ولكن لماذا يريد مؤلف «آيات شيطانية» أن ينتصر المتشددون في الوقت الذي هو شخصيا قد أُهدر دمه بفتوى إيرانية؟
ثانيا فإن دي سوزا عليه أن يعيد قراءة شكاوى تنظيم القاعدة من أميركا. فهذه الشكاوى غالبا ما تكون متضاربة تماما مثلما الحال مع طبيعة غضبهم، لقد كان بن لادن يشتكي من رفض أميركا لتوقيع اتفاقية كيوتو ومن عنصرية البيض ومن قصف هيروشيما وحتى مما يحدث من تبرعات غير لائقة في الحملات الانتخابية. نحن إذا تعاملنا بجدية مع شكاوى هؤلاء الإرهابيين كما يفعل دي سوزا، فإن تنظيم القاعدة قد يبدو كمنظمة يسارية متطرفة غاضبة على الخطايا المفترضة لأميركا المحافظة.
ثالثا، لماذا ينبغي لنا أن نعتقد أن الاعتراضات الإسلامية على ثقافاتنا يمكن أن تبرر عنف المتطرفين؟ المتشددون ربما لا يحبون ما يحدث في الغرب من تناول للمخدرات وشذوذ جنسي وموسيقى الراب والإجهاض تماما كما لا نحب نحن ختان الإناث وتعدد الزوجات وحكم الشريعة الإسلامية ومحاباة الذكر على الأنثى، وهي الظواهر التي تشيع في الشرق الأوسط كما تشيع «الذنوب» في الغرب. ولكن هل يمكن أن يبرر ذلك قيام الأميركيين بهجمات انتحارية ضد مدنيين مسلمين؟
رابعا، نحن نجد أن غير المسلمين من أمثال الهنود والروس والصينيين يرتكبون من «الذنوب» ما يفوق ما ترتكبه الولايات المتحدة. غير أن بن لادن قد فجر طائراته في أبراجنا، ويبدو أن السبب في ذلك هو أنه راهن، خطأً، على أن أميركا لن ترُد. كما أن إصابة الولايات المتحدة، أكبر رمز للحرية والازدهار في الغرب، سيوفر أفضل دعاية للانقلاب يمكن أن تثير المسلمين الآخرين للسير على النهج ذاته.
لماذا يقوم منتقدونا بإلقاء اللوم على بلدهم في وقت حرب؟ إن مثل هذا الخروج عن المألوف يجتذب الانتباه. فلننظر إلى الغضب المفهوم حول ما قام به السيناتور جون كيري من وصف لأميركا بأنها دولة «منبوذة»، إن الاستشهاد بما حدث في الحادي عشر من سبتمبر وإلقاء اللوم علينا بدلا من المتشددين يقدم خيارا أسهل ـ ولكنه خاطئ ـ لكسب الحرب عن طريق فرض تغييرات داخل الوطن لمجرد التغيير بدلا من العمل بجدية من أجل إلحاق الهزيمة بالمتشددين، الأسوأ من ذلك كله هو أن عددا كبيرا من الأميركيين لا يريدون إلا أميركا خالية من العيوب بدلا من دولة أميركية جيدة كالتي نعيش فيها بالفعل.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»