منذ تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة والسؤال الذي يطرحه الكثيرون وعلى ألسنة الناس في الشارع الفلسطيني هو هل ستستمر هذه الحكومة والى أية فترة. فالحكومة والحالة هذه محكومة مسبقا بقصر العمر، ذلك ان مخاضها العسير وما رافقه من حوارات ماراثونية سواء في رام الله أو غزة أو القاهرة أو دمشق ثم في مكة وكذلك ما واكبها من دم واقتتال وفوضى عارمة، رسخت لدى الناس فكرة قصر العمر حيث إن ردود الفعل الدولية عليها لم تكن مشجعة بقدر التوقعات، والمحك الأساس لهذه الحكومة هو تحقيق هدفين الأول توفير الأمن الداخلي وإنهاء حالة الفلتان والثاني فك الحصار المالي وتوفير الرواتب.
وقد سألت الرئيس ابومازن في جلسة خص بها عددا من الكتاب الفلسطينيين في مكتبه عن هذا الموضوع اي ماذا لو فشلت الحكومة في تحقيق هذين الهدفين فقال «فلتذهب، لماذا تبقى» والذهاب هنا ربما لا يعني ان حكومة أخرى ستأتي بها فورا او يجري تكليف شخصية أخرى بتشكيل حكومة جديدة بل عودة الاشكال الحكومي الى المربع الأول اي التهديد بالانتخابات المبكرة وعودة الاقتتال الداخلي ولكن بصورة أكثر دموية خاصة في غزة، لان الاقتتال في غزة تأجج بعد تهديد الرئيس الفلسطيني بإجراء انتخابات مبكرة حيث أعلنت حماس بلسان قادتها انها ستمنع ذلك ولو بالقوة.
الآن تحاول الرئاسة الفلسطينية تسويق اتفاق مكة دوليا عبر قمة الرياض، وثمة مؤشرات عن ان هذه الحكومة خاصة الشق المستقل والفتحاوي فيها سيتحملان الأعباء التي ناءت حكومة حماس السابقة تحت وطأتها اي توفير المساعدات المالية بطريقة معقولة ورسمية بعيدا عن الازدواجية السابقة اي تولي مكتب الرئاسة هذه المهمة فيما تتولى الحكومة الإشراف على الموارد الداخلية وتهريب الأموال عبر معبر رفح او الإنفاق.
هذه الازدواجية ستنتهي كما يقول ابومازن حيث إن وزير المالية الجديد سلام فياض سيكون هو العنوان لحساب السلطة الموحد، والأخير يضع نصب عينيه فترة ثلاثة أشهر من العمل لكي يتم الحكم عليه في مسألة توفير الاعتمادات المالية السابقة واللاحقة حيث إنه وجد أمامه تراكمات هائلة من المستحقات على المالية سواء للمؤسسات او للموظفين الذين لهم رواتب شهور لم تدفع.
وقد عبرت عن إشفاقي على وزير المالية أمام هذا العبء حيث إنه مطالب بتوفيرها على المدى القصير.. وكذلك إثبات شفافية غير مسبوقة ليس أمام البرلمان الذي تهيمن عليه حركة حماس بل أمام الإسرائيليين والأميركيين الذين يريدون معرفة مصير كل فلس يصل الى السلطة بحجة منع وصول اي أموال لحركة حماس.
لكن الوزير فياض عندما عبرت له عن إشفاقي عليه في منصبه حيث سينحت من صخر ولا يغرف من بحر قال «واجبنا ان نعمل.. فهل نترك شعبنا جائعا» ويجس الوزير حاليا آفاق الاستجابة الدولية لاستئناف المساعدات الدولية والتقى الدبلوماسيين الأميركيين والبريطانيين وغيرهم..
وسيقوم بجولة أوروبية لهذا الغرض فهو هنا مكلف بتحقيق الهدف الأول لحكومة الوحدة وهو توفير المال، اما الهدف الثاني فهو توفير الأمن، وقد بوغت وزير الداخلية الجديد الذي لا خبرة أمنية عسكرية له باستئناف الاقتتال الداخلي بين نشطاء فتح وحماس واندلاع حرب العائلات والعشائر المسلحة واختطاف الصحافي البريطاني ألن جونستن وهو هنا لم يتسلم مهامه بالفعل حيث إن الأجهزة الأمنية التي من المفروض أن تكون تحت إمرته لم تخضع له بعد..
وكذلك فإن مصير القوة التنفيذية التي شكلتها حركة حماس ما زالت خاضعة لحماس ولم يتم البت في مصيرها من حيث دمجها في الأجهزة الأمنية وبالتالي فإن الوضع الأمني ما زال معقدا لان ذلك يتطلب ضرب بؤر الفلتان خاصة العشائرية أولا وتجريدها من أسلحتها ثم عصابات كثيرة ظهرت تحت مسميات وطنية..
ثم الميليشيات الفصائلية نفسها.. وهذه كلها تحتاج الى جهاز امني قوي موحد مدعوم فصائليا والى قرار سياسي من كل فصيل بالمشاركة في قمع الفلتان، والى إخضاع الأمن ككل الى مجلس الأمن القومي الذي يجري تشكيله لكن الخلاف دب منذ البدء بين حركتي حماس وفتح حول تسمية النائب محمد دحلان مستشارا للأمن القومي في المجلس المقترح..
وشنت حماس هجوما لاذعا ضد دحلان الذي تعتبره عدوها الأول.. لكن ابومازن يقول ان امر تعيينه شأن رئاسي لا علاقة للحكومة به. الا اذا اعترض المجلس التشريعي الذي ينص قانونه على انه لا يجوز لنائب ان يتولى وظيفة عامة اثناء نيابته وهو ما اعلنته كتلة حماس في المجلس التشريعي.
وسيضم المجلس إضافة الى الرئيس رئيس الحكومة ووزراء الداخلية والمالية والخارجية وقادة الأجهزة وشخصيتين اعتباريتين أخريين. لكن لم يتم تشكيله بعد، وربما ستحاول حركة حماس زيادة تواجدها في المجلس مقابل غض النظر عن وجود دحلان فيه. اذاً، ليس طريق الحكومة مفروشا بالورد..
ولم تستطع إسرائيل الطعن في البرنامج السياسي للحكومة الا عبر عبارة حق المقاومة الشعبية.. وهو ما تلقفته الإدارة الأميركية واعتبرته أمرا خطيرا لكن وزير الإعلام الفلسطيني الجديد د. مصطفى البرغوثي يفلسف هذا بقوله ان حق المقاومة مكفول للشعوب في القرارات الدولية وورد في البرنامج باعتباره حقا في حالة غياب افق سياسي،
وورد كمقاومة شعبية تعني أيضا المقاومة السلمية وليس بالضرورة الكفاح المسلح وان كان الأخير حقا مشروعا أيضا، اما الرئيس ابومازن فهو يشرح لضيوفه الأجانب البرنامج السياسي باعتباره يلزم كل المشاركين في الحكومة وحتى الآن لم يشذ اي وزير عنه
ولم يعبر اي وزير عن موقف حزبه بل عن برنامج حكومته ويقول ابو مازن ان احترام القرارات الدولية أقوى من الالتزام فإسرائيل وغيرها تعتبر الاحترام اقل من الالتزام لكن أيمن الظواهري الرجل الثاني في القاعدة وفي معرض هجومه على حماس اعتبر ان الاحترام أقوى من الالتزام.. فأنت ان احترمت شيئا فإنك تحترمه وتنفذه طوعا اما الالتزام فيعني انك مكره عليه وهناك فرق بين الاثنين. ثلاثة أشهر هي فترة التجريب لحكومة الوحدة الفلسطينية فإما ان تنجح او يكون بعدها الطوفان.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين