وقع الإسرائيليون في حيرة من أمرهم ماذا سيطلقون على حربهم الأخيرة على لبنان واللبنانيين. طرحوا عدة أسماء نكتشف سريعاً كم كانت غير موفقة، طرحوا على سبيل المثال «حرب من أجل عودة الأبناء» أو «حرب حزب الله»، والواضح أن الأبناء لم يعودوا (الجنديين الأسيرين) في حين مازال حزب الله متمركزا في ارض الجنوب ولم يهزم أو يلقي سلاحه أو تدمر صواريخه.
لكن كان بينهم من هو «أكثر تعقلاً» (من الإسرائيليين طبعاً) ليطرح اسماً محايداً جغرافياً أو زمنياً مثل «حرب لبنان الثانية» أو «الحرب الثانية». لكن حرب 1982 على لبنان والتي ثبتت احتلالهم للجنوب اللبناني مدة 18 سنة والتي أطلقوا عليها تسمية «عملية سلامة الجليل»، اضطروا بعدها إلى المغادرة دون قيد أو شرط تحت ضربات المقاومة، انتهى الاحتلال وسلامة الجليل على ما يبدو مازالت مهددة.
والملفت في هذا كله أن حكومة إسرائيل لم تكن تريد تسمية حربها على لبنان «حربا» أصلا لو لم ينتفض أهالي الجنود القتلى مهددين بتغيير ما كتب على قبور أبنائهم كما سبق أن انتفض جنود الاحتياط وجميع السكان المدنيين للمطالبة بلجنة تحقيق وطنية بعد أن شعروا بتخلي دولتهم عنهم خلال الحرب.
وراء رفض التسمية هناك على ما يبدو أمران: أولا لا تريد الحكومة تكلف قيمة التعويضات المالية والاقتصادية التي ستدفعها للسكان جراء خوضها هذه الحرب، وثانيا الشعور الزاحف بالمذلة لما آلت إليه مجريات المعركة، ولو ترك الأمر لقادة إسرائيل لتمنوا بالتأكيد إزالتها من الذاكرة والتاريخ كلية.
بالنسبة لإسرائيل، ما زالت نتائج المعارك صعبة على الاستيعاب والتصديق. وفي الواقع هي كذلك بالنسبة لنا نحن اللبنانيين أيضا وربما بالنسبة لغيرنا من الدول. يسميها زعيم حزب الله، حسن نصرالله، بأنها نصر الهي أو نصر من الله.
لقد استطاع اللبنانيون ربح المعركة بصمودهم ووحدتهم وبقتال وقوة تنظيم مقاتلي المقاومة واستطاعوا إلى ذلك سبيلا أيضا بفضل ضعف القيادة لدى الإسرائيليين. فمن يراجع تطورات الحرب يرى أنه كانت سلسلة طويلة من التراجع عن الأهداف التي وضعتها القيادة الإسرائيلية لها وإلحاح على متابعة مغامرة عسكرية تبدى فشلها بشكل واضح، لتنتهي بعمليات انتقام من خلال قصف مجنون للقرى والأحياء وإطلاق لقذائف فوسفورية وعنقودية محرمة دوليا.
أما اليوم فيتبدى مشهد الفشل واضحا في تأثير نتائج المعارك على أوضاع إسرائيل دولة وقادة وجيشا، لقد استقال دان حالوتس رئيس الأركان في يناير 2007، والحكومة الإسرائيلية أمام الحساب وأولمرت تدنت شعبيته إلى العدم تقريبا 2%، كما هناك انهيار نفسي كبير يقول شمعون بيريز.
وهذه الحقيقة القاسية تفرض نفسها بقوة يوميا إما في سيل التصريحات المريرة التي ينطق بها المسؤولون الإسرائيليون، أو في المسار الذي تمضي به لجنة التحقيق الوطنية التي تشكلت في سبتمبر 2006 للنظر في إخفاقات الحرب، والتي يتوقع لها أن تفجر موجة من الاستقالات وتؤدي إلى انتخابات مبكرة تودي بكاديما وتسبب في تشظيها بحسب المحللين الإسرائيليين أنفسهم.
ومما يشير إليه أحد أعضاء اللجنة الوطنية «فينوغراد» التي تشكلت أن السياسة الإسرائيلية المتبعة منذ عام 2000 قد أدت إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية. بكلام آخر الهزيمة التي منيت بها إسرائيل في حربها العدوانية على لبنان تعود إلى السياسية الإسرائيلية المتبعة خلال مرحلة كان رموزها باراك وشارون وأولمرت.
فهل ستشكل نتائج تقرير فينوغراد أرضية للتعبئة لحزب الليكود في الانتخابات المقبلة؟ إسرائيل اليوم في حالة غليان نتيجة الهزيمة التي منيت بها في لبنان، الآن بعد أن انتهت الحرب هناك الشعور الزاحف بالمذلة، الاستخفاف بالحرب في إسرائيل عمل منكر فاغلب شبابها من جنود الاحتياط ويشكل جيشها عماد قيامها وتوسعها.
فهل سيصعد الليكود وهل لن يكون هناك مناص إلا في مواجهة مع النظام الإيراني والحرب الجديدة على لبنان بحسب قول موشى يعلون، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، أم أن إسرائيل فوتت الفرصة كما يقول رئيس الأركان الحالي في حرب لبنان الثانية؟ نحن الآن أمام هدنة وإعادة توازن للقوات، فقد وضعت قوة الردع الإسرائيلية على المحك مجددا في لبنان ولا بد من إحراز نصر لرد الاعتبار.
«المعركة مستمرة» يصرح شمعون بيريز ويضيف بصفاقة «يبدو ان حزب الله تحول نحو الشؤون الداخلية، ولبنان ارض غير خاضعة للسيطرة ومزروعة بالألغام والقتل فيها شيء يومي». فهل نحن اليوم أمام تصعيد في دورة العنف؟ لقد فشل الاحتلال الإسرائيلي وكذلك العدوان الأخير على لبنان، لكن الحروب لم تنته والمدنيون مرشحون لدفع الثمن الأكبر مجددا بسبب وجود هذه الدولة المصيبة.