لم تأت ردود الفعل الدولية (والإسرائيلية طبعا)، على اتفاق «مكة» (بين حركتي فتح وحماس)، والمتضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية، بما يتلاءم مع الآمال الفلسطينية المرجوّة، بشأن رفع الحصار الإسرائيلي، واستئناف المساعدات الدولية للسلطة، وتفعيل عملية السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
والواقع فإن ردود الفعل هذه لم تكن مفاجئة البتّة، ذلك أن اللجنة الرباعية الدولية، المولجة رعاية عملية التسوية، وفق خطة «خريطة الطريق، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ظلّت تؤكد على اشتراطاتها إزاء الفلسطينيين، المتضمنة الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف، والموافقة على الاتفاقات الموقعة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، منذ توقيع اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993).
ويبدو من تفحّص شروط الرباعية أن ثمة تساوقا كبيرا بينها وبين شروط الطرف الإسرائيلي على الفلسطينيين، والأنكى أن هذه الشروط تخلي مسؤولية إسرائيل، سواء عن الاحتلال أو عن تدهور عملية التسوية، وتوحي وكأن الطرف الفلسطيني، أي الضحية، هو المعني بإثبات أهليته لعملية السلام مع إسرائيل؛ التي تحتل أرضه وتشرد شعبه وتغتصب حقوقه، في سابقة سياسية فريدة من نوعها في العلاقات الدولية!
في الحقيقة فإن المتمعّن في هذه الشروط يجد أنه ليس لها من معنى سوى مفاقمة مشكلات الفلسطينيين، وتحميلهم هم مسؤولية الاحتلال، وكل التداعيات التي تنجم عنه، بما في ذلك مصادرة وقتل وتدمير حيواتهم وأرضهم وهويتهم ومستقبلهم!
مثلا، هكذا يبدو شرط الاعتراف بإسرائيل معجزاً، ونافلاً، ومن قبيل رفع المسؤولية، إذ سبق لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، أن قدمت مثل هذا الاعتراف رسميا وعلنيا، وبشكل مسبق، ومن دون أية إنجازات ملموسة، وعلى سبيل إبداء حسن النوايا، في حين ظلت إسرائيل على تملصاتها في عملية التسوية! كما أن شرط الاعتراف هذا يتضمن الكثير من التلاعبات والتمويهات وعكس الحقائق، فإسرائيل هي التي تنكر وجود الشعب الفلسطيني، مثلما تنكر واقع الاحتلال.
ثم إن إسرائيل باتت واقعا مجتمعيا وسياسيا على الأرض، وبضمانات الوضع الدولي وقوتها العسكرية والنووية، وهي ليست بحاجة لهذا الاعتراف، بقدر حاجة الفلسطينيين إلى الاعتراف بوجودهم وحقيقتهم وحقوقهم الوطنية. ومن ناحية أخرى، فإن إسرائيل، التي تدعي الديمقراطية، والتي تجد فيها أحزابا تدعو للترانسفير وقتل الفلسطينيين وعدم الاعتراف بحقوقهم، ومصادرة أرضهم وحرياتهم ومستقبلهم، تريد أن تصادر آراء الفلسطينيين، وتحرمهم من أي تنوع وتباين وتعدد في آرائهم السياسية،
بشأن وجودها ومستقبلها وشكل علاقاتهم معها؛ على الرغم من كل ما قدمته لها منظمتهم الشرعية والقائدة (منظمة التحرير) من اعترافات واتفاقات وتقديمات حسن نوايا! وبالنسبة لشرط نبذ العنف، فمن الواضح للقاصي والداني، أن إسرائيل هي الطرف الذي يبادر للعنف، والذي يستهويه إبقاء العلاقات مع الفلسطينيين في مربع المواجهات المسلحة، حيث تكمن نقطة تفوقها، وذلك بدلا من نقل هذه العلاقات إلى المربع السياسي.
وطوال المرحلة الماضية، من المواجهات الدامية والعنيفة، كانت إسرائيل سباقة إلى نقض كل أنواع التهدئة، فهي التي ابتدعت خطة المئة يوم لوأد الانتفاضة، في وقت كانت فيه معظم فعاليات الانتفاضة مجرد فعاليات شعبية وسياسية وسلمية، وهي التي عملت على تصعيد موجة التقتيل والتدمير واستدراج الفلسطينيين إلى مربع المواجهة العسكرية الدامية، وهي التي نظمت عمليات الاغتيال ومعاودة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية.
هكذا فبالنسبة للفلسطينيين ، منذ بداية الانتفاضة (أواخر العام 2000)، فثمة خمسة آلاف شهيد (بينهم حوالي ألف طفل)، وحوالي خمسين ألف جريح، وواحد وأربعين ألف معتقل، بقي منهم حوالي 11 ألفاً معتقلاً، في حين أن الخسائر البشرية لدى الإسرائيليين لا تتجاوز خمس ذلك، مع حوالي 1050 إسرائيليا لقوا مصرعهم بنتيجة عمليات المقاومة الفلسطينية؛ وفي العام الماضي (2006)، وبحسب تقرير «بتسليم» فقد استشهد حوالي 660 فلسطينيا مقابل مصرع 17 إسرائيليا فقط.
أما في مجال شرط الاعتراف بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، فليس من الصعب ملاحظة حجم الرياء في التعامل مع هذا الملف، ذلك أن إسرائيل هي الطرف الذي تملص من كل الاتفاقيات التي وقعها مع الفلسطينيين، منذ مقولة رابين (رئيس الوزراء الأسبق) بأن «لا مواعيد مقدسة»، مرورا بتضييع بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الأسبق وزعيم الليكود) ثلاثة أعوام بدون جدوى (19961999)، وصولا إلى محاولة ايهود باراك التشاطر،
والقفز إلى مفاوضات قضايا الحل النهائي (القدس، اللاجئين، المستوطنات، الحدود، الترتيبات الأمنية)، في مفاوضات واي ريفر (يوليو/2000)، وهي المحاولة التي تبين أنها مجرد فخ أو حيلة، للتملص من استحقاقات المرحلة الانتقالية، ورمي المسؤولية عن ذلك على عاتق الفلسطينيين، وهو ما حصل.
أما بعد ذلك فالمسألة معروفة إذ جاء أرييل شارون (زعيم الليكود سابقا) إلى الحكم، وخاض حربه ضد الفلسطينيين وضد السلطة والقيادة الفلسطينيتين، بدعوى أنه لا شريك فلسطيني للسلام، وأنه لا مفاوضات في ظل إطلاق النار، ثم ظهرت فكرة الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة، كبدعة سياسية إسرائيلية، لفرض التسوية بحسب مصالح وأولويات إسرائيل.
وهكذا ففي كل هذه المسيرة تهربت إسرائيل من اتفاقاتها في عملية التسوية مع الفلسطينيين، بسبب عدم نضجها لهذه العملية، وبسبب خلافات التيارات السياسية فيها، ولعدم توفر الضغوط الإقليمية والدولية للدرجة المناسبة عليها. الآن بديهي أن إسرائيل لن تقبل بهذه الحركة الالتفافية الفلسطينية، التي جهدت للتوافق على مقاربة سياسية تتيح للحكومة الفلسطينية التعامل مع كل الاشتراطات الدولية والإسرائيلية، من شرط الاعتراف، إلى شرط التهدئة، وصولا إلى شرط احترام الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل.
ذلك أن إسرائيل لديها شروط أخرى، من نوع الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت، إلى وقف الهجمات الصاروخية من قطاع غزة، وهي لن تعدم توليد الشرط تلو الآخر، لوضع العصي بدواليب الحل، وتحميل المسؤولية عن تدهور الأوضاع مع الفلسطينيين، على الصعيدين الأمني والسياسي للسلطة الفلسطينية.
واضح من هذه الجردة لشروط «اللجنة الرباعية» بأن المسألة بالنسبة لإسرائيل لا تتعلق باشتراطات معينة، على أهميتها، فهذه الدولة في حقيقة الأمر تبدو غير جاهزة بعد لعملية تسوية شاملة ومتكافئة (ولو نسبيا)، مع الفلسطينيين، لأسباب تاريخية وأيديولوجية وسياسية، وبسبب طبيعتها كدولة يهودية عنصرية، وتكوينها الاستيطاني ـ الاستعماري، وبسبب اتكائها على عامل القوة، وموازين القوى، والمعطيات الدولية المواتية لها، في فرضها املاءاتها السياسية، على الفلسطينيين.
على ذلك فإن السياسة الإسرائيلية تتوخى في هذه المرحلة تحويل عملية التسوية إلى مجرد عملية سياسية مستمرة، أو إلى مجرد علاقات عامة، تتيح لها تقطيع الوقت وفرض مزيد من الوقائع الاحتلالية، عبر مشاريع تهويد القدس، وتعزيز الاستيطان، وبناء جدار الفصل العنصري، لانتزاع أكثر ما يمكن انتزاعه من أرض الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة.
وبديهي أن تحاول إسرائيل في كل ذلك إلقاء المسؤولية على الفلسطينيين، بدعوى أنهم لا يعترفون بها ويستهدفون وجودها ويتنصلون من اتفاقاتهم معها، سعيا منها لعزل القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية والإقليمية، وإثارة الشبهات حول عدالتها، وتحويل الشعب الفلسطيني الضحية، إلى موقع المساءلة عن الأحوال التي تحيط به، بمعنى تحويل الضحية إلى مسؤول عن الضرر والمظالم والجرائم التي ترتكب بحقّه!
المعنى أن القضية المطروحة اليوم، لا تتعلق باعتدال ما عند الفلسطينيين، ولا بإصلاحهم لأحوالهم، ونبذهم العنف (بحسب المعايير الأميركية)، وإنما تتعلق أكثر بحقيقة الأجندة الإسرائيلية، إزاء عملية التسوية مع الفلسطينيين. وفي الحقيقة فإن الأجندة الإسرائيلية المتاحة للتسوية، تتجاهل وجود شريك فلسطيني، وتتأسّس على إنكار حقوق الفلسطينيين وحاجاتهم، وترتكز على التخلص من غالبيتهم في الضفة الغربية، مع الاحتفاظ بأجزاء واسعة من أراضيهم (حيث الكتل الاستيطانية الكبيرة، لاسيما في محيط القدس)، سواء عبر خطط الانفصال الأحادي أو عبر تطويع الفلسطينيين لنوع من التسويات المجحفة والناقصة، المفروضة.
كاتب فلسطيني