كما كان متوقعاً أخذت الانتخابات الفرنسية تتركز في قسم كبير منها على مسائل الهجرة والمغتربين وكيفية دمجهم واستيعابهم في المجتمع الفرنسي وصعوبة ذلك الخ..وضمن هذا السياق، ولكي يكسب أصوات اليمين المتطرف، اقترح مرشح اليمين نيكولاي ساركوزي إنشاء وزارة خاصة بالدفاع عن الهوية الوطنية ضد الخطر الذي قد يشكله عليها وجود كل هذا العدد الضخم من المهاجرين ذوي الأصول الإسلامية في فرنسا.

بالطبع فإنه أطلق على وزارته العتيدة هذه تسمية أكثر حيادية ولكن المعنى واحد في نهاية المطاف. وقد ردت عليه المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال بعنف وقالت له بما معناه: من العار أن تستغل هذا الموضوع الحساس لأغراض انتخابية تفوح منها رائحة العنصرية ورفض الآخر.

ثم زارت ضواحي المهاجرين وقالت لهم بالفم المليان وهي تبتسم بكل طيبة وحرارة: انتم لستم المشكلة انتم الحل. بمعنى آخر: انتم في بلادكم هنا، لان قسما كبيرا منهم يحمل الجنسية الفرنسية. وقد نزل كلامها على المغتربين الفقراء، على المهمشين الضائعين، بردا وسلاما.

وهنا يتجلى الفرق بين شطري فرنسا: أي الشطر اليميني العنجهي الشوفيني الموجود في الواقع لدى كل الأمم والشعوب، وبين الشطر اليساري ذي الوجه المشرق والنزعة الإنسانية التي اشتهرت بها فرنسا على مر العصور. يكفي أن نذكر هنا أسماء فلاسفة التنوير الكبار والثوار الفرنسيين فيكتور هوغو وجان جوريس الزعيم التاريخي للتيار الاشتراكي الديمقراطي الذي تنتمي إليه سيغولين رويال.

للحق والإنصاف ينبغي القول إن مرشح يمين الوسط، فرانسوا بايرو، قال كلاما مشابها عندما زار المغتربين وعائلاتهم ورحب بهم مصرحا: نحن جميعا نعيش تحت نفس السقف هنا في فرنسا ولا احد أحسن من احد. كلنا متساوون في القيمة الإنسانية.

ولكن ينبغي أن نتعايش بسلام ونقبل بعضنا بعضا على الرغم من الاختلاف في الدين أو العرق. ففرنسا هي بلد حقوق الإنسان ولا تميز بين مواطن وآخر أيا يكن أصله وفصله أو عرقه وطائفته ومذهبه. ولكن إذا ما حاول احد المتعصبين أن يثير النعرات الطائفية أو يعتدي على الآخرين لأنهم لا ينتمون إلى دينه فسوف نرفضه ولن نسمح له أن يعكر تعايشنا المنسجم تحت نفس السقف. وبالتالي فالقيم التي ينبغي أن تتحكم بهذا التعايش هي قيم التسامح والعلمانية والقبول بالتعددية الفكرية والروحية. فالدين لله والوطن للجميع.

وبالتالي فهناك يمين ويمين وأنا لست ضد اليمين في المطلق إلا إذا تحول إلى يمين متطرف ومتعصب ضد الآخرين. في الواقع وكما قالت ليلى شهيد سفيرة فلسطين السابقة في باريس مرة: إن معظم المغتربين العرب لا يبتغون إلا الاندماج في المجتمع والبحث عن الحياة الكريمة ولقمة العيش لهم ولأطفالهم وعائلاتهم. وهم لا يهددون الهوية الفرنسية بأي شكل على عكس ما يزعم اليمين المتطرف. ومعظمهم ينخرطون في الحداثة الفرنسية الجميلة بكل طيب خاطر ودون أي مشكلة.

وأما المتعصبون في أوساط الجالية فهم أقلية قليلة ويمكن تحييدها بسهولة إذا ما اهتمت الدولة بأحوال المهاجرين وأتاحت لهم فرص العمل والحياة اللائقة كبقية البشر. وبالتالي فالتطرف الأصولي الذي تخشاه فرنسا وبخاصة بعد تفجيرات 11 سبتمبر ومدريد ولندن الخ..لن يكون له أي حظ في اختراق الجالية إلا إذا استمرت الدولة في إهمال الأحياء الفقيرة للعمال المغتربين.

أعتقد أن من أفضل الطرق للتقريب بين الجالية العربية والشعب الفرنسي هي التذكير بما تدين له الحضارة الفرنسية إلى العرب عبر التاريخ وبما ندين نحن أيضا للحداثة الأوروبية منذ قرنين وحتى الآن. من المعلوم أن اليمين الفرنسي المتطرف لا يركز إلا على ما يفرق ويزرع الكراهية في النفوس.

انه يذكرنا دائما بمعركة بواتييه حيث وصل الغزو العربي بحسب قوله إلى جنوب فرنسا وكاد يحتلها كليا ويقضي على هويتها وشخصيتها التاريخية لولا أن تصدى له شارل مارتل... ولكنه ينسى كل فترات التفاعل الثقافي المتبادل بين الطرفين على مدار التاريخ أيضا. وكذلك يفعل الأصوليون المتزمتون عندنا فهم لا ينفكون يشتمون الغرب وحضارته وقيمه ويعتبرونها وكأنها رجس من عمل الشيطان..

وبالتالي فالتطرف يرد على التطرف والحقد على الحقد إلى ما لا نهاية.. كان الباحث الفرنسي ألان دو ليبيرا قد كرس صفحات رائعة للتحدث عن العطاء الحضاري العربي وبخاصة في اسبانيا. بل ودعا الحكومة الفرنسية إلى تدريس نصوص ابن رشد وابن الطفيل وابن باجة والفارابي وابن خلدون وغيرهم من فلاسفة العرب والمسلمين في المدارس الثانوية لكي يدرك الطالب العربي أن أجداده كانوا علماء وفلاسفة وليسوا فقط أصوليين متطرفين كما يزعم الإعلام الغربي في قسم كبير منه وبخاصة بعد 11 سبتمبر.

ثم بشكل خاص لكي يدرك زميله الفرنسي على مقاعد الدرس أن العرب ليسوا كلهم همجا متخلفين، أو إرهابيين متعصبين، وإنما ساهموا في صنع الحضارة الكونية. نعم ينبغي أن يدرك الطالب العربي أن أسلافه ساهموا في صناعة هذه الحضارة الأوروبية التي يعيش بين ظهرانيها اليوم. وعندئذ لا يعود يرى في حضارة أوروبا عدوا له أو شيئا مختلفا جذريا عن تراثه الإسلامي وثقافته لان هذه الحضارة كانت أيضا نتاج مفكريه القدماء والعصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية.

وعندئذ يمكنه أن يصرخ قائلا: هذي بضاعتنا ردت إلينا.. قد أكون أبالغ بعض الشيء بالطبع إذ أقول هذا الكلام. ولكن ينبغي الاعتراف أن البشرية أصبحت واحدة في عصر العولمة الكونية. ولم تعد هناك اختلافات مطلقة بين العرب والغرب على عكس ما نتصور.

عندما تذهب إلى اليابان أو الهند أو الصين أو الشرق الأقصى عموما قد تشعر باختلاف ثقافي وغربة حضارية كبيرة لان اللغة مختلفة كليا وكذلك التراث الديني . أما بالنسبة لأوروبا فالكثير من العرب يعرفون الانجليزية أو الفرنسية وبخاصة في الخليج العربي فيما يخص الأولى والمغرب العربي فيما يخص الثانية.

يضاف إلى ذلك أن التراث الحضاري الذي أثر على الأوروبيين والعرب المسلمين واحد أو متشابه جدا. وهذا شيء كثيرا ما ننساه أو نجهله نحن العرب. انه يتمثل أساسا بالتراث الديني التوحيدي والفكر الفلسفي الإغريقي. هذا في حين أن المرجعيات الثقافية والدينية للشرق الأقصى مختلفة تماما. فالإسلام ينتمي إلى نفس العائلة الدينية التوحيدية التي تضم أبناء إبراهيم الخليل عليه السلام كلهم من يهود ومسيحيين ومسلمين.

وأما المصدر الثقافي الكبير الثاني الذي أثر علينا جميعا فهو الفلسفة الإغريقية بطبيعة الحال. بل إن العرب هم الذين نقلوها إلى أوروبا عبر اسبانيا وحضارتها الزاهرة كما هو معلوم. كل هذا تحدث عنه المفكر الفرنسي ألان دو ليبيرا أستاذ فلسفة القرون الوسطى في جامعة جنيف وجامعة باريس على حد سواء.

ويا ليت العرب يترجمون كتبه إلى العربية وبخاصة الكتب التالية: التفكير في القرون الوسطى، الفلسفة في القرون الوسطى، قاموس القرون الوسطى، الإسلام والعقل. من اجل ابن رشد. الخ.. فهو يتحدث عن منجزات العرب والمسلمين بكل روح منفتحة وبدون أي استعلاء عنصري أو أحكام سلبية مسبقة.

نعم إن الجالية العربية الإسلامية في فرنسا وعموم أوروبا والتي تتجاوز الخمسة عشر مليون نسمة يمكن أن تكون جسرا حضاريا كبيرا بين الغرب والعالم العربي بمجمله ويمكن أن تساهم في التقريب بين كلتا الضفتين. وعندئذ لا يعود احد يتحدث عن صدام الحضارات وإنما عن حوارها وتفاعلها المتبادل والبناء. نعم لقد شعرت بالسعادة عندما سمعت أن السوربون انتقلت إلى الإمارات العربية المتحدة وكذلك متحف اللوفر. وهذا دليل على أن المستقبل هو لحوار الحضارات كما قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك في كتابه الأخير.

كاتب سوري

باريس