تعيش الساحة السياسية الفرنسية هذه الأيام نشاطاً سياسياً صاخباً تحضيراً للانتخابات الرئاسية في الشهر المقبل. والسؤال الذي يفرض نفسه علينا كعرب ومسلمين في هذا المقام هو أين العرب وأين كل المسلمين من الانتخابات الفرنسية؟ وهل هناك عمل منهجي وموضوعي من قبل الجالية الإسلامية والعربية في فرنسا لدخول معترك المنافسة السياسية ومقايضة أصواتها مقابل الحصول على التزامات لتحقيق أهداف الجالية العربية والمسلمة.

وهنا نلاحظ، مع الأسف الشديد ورغم وجود هذه الجالية على الأرض الفرنسية مند عدة عقود ورغم مشاركة الأوائل من الآباء والأجداد في الحرب العالمية الأولى والثانية في صفوف الجيش الفرنسي، ورغم المساهمات الكبيرة في بناء فرنسا والاقتصاد الفرنسي، نجد أن الجالية العربية والمسلمة ما زالت تعيش على هامش النشاط السياسي والحياة السياسية الفرنسية. وتكاد تكون مهمشة لا يحسب لها أي حساب.

وهنا يستحضرنا نشاط اللوبي اليهودي وتغلغله في الإدارة الأميركية ومراكز صنع القرار في الكونغرس والبيت الأبيض. وهنا نستطيع القول انه لا يوجد مجال للمقارنة. فنشاط اللوبي اليهودي في واشنطن يوّجه السياسة الخارجية الأميركية في اتجاه واحد وهو خدمة إسرائيل بالدرجة الأولى وقبل كل شيء حتى ولو تعارضت مصالح الكيان الصهيوني مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

يعيش في أميركا ستة ملايين يهودي، أغلبيتهم تدعم الدولة العبرية وتشعر بالارتباط العاطفي بها. ويتشكل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية من لجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية المختلفة.

ويمتلك اللوبي اليهودي فروعا في مختلف الولايات الأميركية وله علاقات وثيقة بمراكز القرار والمتمثلة في الكونغرس والبنتاغون والبيت الأبيض. كما يتغلغل اللوبي اليهودي في الصناعات الإعلامية والثقافية الأميركية. وهنا تجدر الإشارة إلى الاستثمارات الكبيرة لليهود في مجال الإعلام والأفلام وصناعة الكتب والمطبوعات وصناعة الفكر والرأي العام. كما يتواجد اللوبي اليهودي وبصفة معتبرة في كبريات الجامعات الأميركية وأهمها وأعرقها، وفي مراكز البحث العلمي ومؤسسات الفكر وغيرها من المنظمات التي تساند صناعة القرار.

فبالنسبة للوبي اليهودي أميركا وإسرائيل يربطهم مصير واحد ومصالح واحدة وبذلك فإنه من المستحيل أن تتناقض أهدافهما ومصالحهما. هذا الأمر جعل عددا من المسيحيين ومن اليمين المتطرف في أميركا ينخرط في اللوبي اليهودي ويناضل من أجل تحقيق أهدافه وسياساته. فبالنسبة للمسيحيين الأصوليين المتشددين دعم إسرائيل واجب يجب القيام به وغير ذلك يتنافى مع إرادة الله.

وهناك شخصيات دينية نافذة ومؤثرة في أميركا من أمثال غاري بوير، جيري فالويل، رالف ريد وبات روبرتسون وغيرهم كثر يستعملون وسائل الإعلام والمنابر السياسية والدينية لنشر الفكر المساند لإسرائيل ولسياستها التوسعية في فلسطين. وإلى جانب رجال الدين هناك كل السياسيين من أمثال وليام بنيت، روبرت بارتلي، جين كيركباتريك، إيليوت أبرامز، بول ولفوينز وغيرهم.

أما بالنسبة للسياسيين الأميركيين الذين يبحثون عن النجاح والوصول إلى البيت الأبيض أو مجلس الشيوخ أو مجلس النواب فهم مطالبون بالمرور باللوبي اليهودي والحصول على الموافقة والدعم. والدليل على ذلك هو أن موقف الرؤساء الأميركيين من القضية الفلسطينية يتغير بخروج الرئيس من البيت الأبيض.

فعندما يكون الرئيس في سدة الحكم يكون له موقف معين، يكون غير مقتنع به في العديد من الأحيان، وهذا بسبب الضغوط والنفوذ القوي للوبي اليهودي. وعندما يغادر البيت الأبيض تتغير مواقفه ويصبح يتعاطف مع الحق ومع الفلسطينيين وهذا ما حدث مع كارنر على سبيل المثال.

والكتاب الأخير الذي كتبه الرئيس السابق عن الممارسات العنصرية والتمييز العنصري للكيان الصهيوني في فلسطين لاقى استياء كبيراً من قبل اللوبي اليهودي بالدرجة الأولى ثم بطبيعة الحال الرأي العام الأميركي والنخبة المثقفة ونسبة كبيرة من وسائل الإعلام. خرج الرئيس كارتر من صمته وتكلم عن العزل العنصري فلسطين وتكلم عن التمييز العنصري بالأدلة والأرقام والبيانات وكان الرد أن جامعات أميركية عديدة رفضت عرض كارتر تقديم كتابه وشرح وجهة نظرة وفتح قنوات تواصل بين اليهود والفلسطينيين للتحاور والنقاش والتعايش في أمن وسلام.

ففي كتابه «قوة إسرائيل في الولايات المتحدة» يستشهد جيمس بيتراس بناحوم غولدمان رئيس المؤتمر البهودي العالمي عندما قال للرئيس السابق جيمي كارتر «ينبغي سحق اللوبي اليهودي لأنه أصبح قوة تدميرية وعقبة حقيقية أمام السلام في الشرق الأوسط!». وشهد شاهد من أهلها وهذا كلام رئيس المؤتمر اليهودي العالمي.

فالولايات المتحدة الأميركية أصبحت أسيرة اللوبي اليهودي في عقر دارها. كما استشهد الكاتب بيتراس بالملك حسين رحمه الله الذي قال ان: «الولايات المتحدة لا تمتلك أي هامش حرية في منطقتنا. إنها مجبرة على مراعاة اللوبي اليهودي وحكومة إسرائيل وعدم الخروج على إرادتهما» ومن الضحايا العديدين للوبي اليهودي في المؤسسة السياسية الأميركية بول فيندلي النائب من ولاية «الينوى»الذي كتب كتابه الشهير «من يجرؤ على الكلام»حيث فضح من خلال صفحاته الهيمنة الكاملة للوبي اليهودي على السياسة الخارجية الأميركية.

كما راح ضحية اللوبي اليهودي ممثل الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة أندري يونغ. والقائمة طويلة تتسع إلى مجلدات. فاللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية يتسم بالتنظيم والمنهجية وقوة العمل والتخطيط والبرمجة والقوة المالية والتنسيق على مختلف الأصعدة. فنسبة اليهود من سكان أميركا لا تتجاوز 5 ,2% لكن نفوذهم في صناعة القرارات السياسية تفوق 70% كيف لا و20% من مليارديرات الولايات المتحدة الأميركية هم يهود.

نقول هذا الكلام ونسقطه على العرب والمسلمين في جميع دول العالم، وخاصة تلك الدول التي يوجدون فيها بالملايين ويساهمون في نموها وتطورها واقتصادياتها. وإذا أخذنا الجالية العربية والمسلمة في فرنسا هذه الأيام نجدها تتفرج على الانتخابات الرئاسية الفرنسية وكل من نيكولاي ساركوزي وسيغولين رويال يهرولان ويتملقان للوبي اليهودي حتى يرضى عليهما.

وفي الأخير نجد أن اللوبي اليهودي هو الذي يقرر من سيدعم ويفرض الشروط والمطالب التي يريدها مقابل الدعم. بطبيعة الحال المطالب تكون سياسات ومواقف وإجراءات وقوانين تصب في مصلحة ليس يهود فرنسا فقط وإنما بالدرجة الأولى الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية. ومن منا لا يتذكر قانون «ابيوس ـ الذي أقرته فرنسا وهو القانون الذي يجرم كل من يشكك في الهولوكست.

بموجب هذا القانون تمت محاكمة رجاء جارودي بسب كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» والكتاب في حقيقة الأمر لم يقدم سوى حقائق تاريخية قائمة على معطيات وإحصائيات وأدلة. وبالمقابل نلاحظ أن أصوات العرب والمسلمين لا تساوي شيئا في بورصة الانتخابات الفرنسية بينما أصوات اليهود تزن ذهبا. وهكذا نلاحظ أن العرب والمسلمين ما زالوا بعيدين كل البعد عن صناعة اللوبيات وسياسة الكواليس وصناعة الرأي العام والصورة وبذلك صناعة القرار السياسي الذي يخدم مصالحهم وأهدافهم.

كلية الاتصال

جامعة الشارقة