«لماذا تخلفنا وتقدموا؟» سؤال طرح في الثقافة العربية المعاصرة كثيراً بصياغات مختلفة وذهب العقل العربي في الإجابة عنه مذاهب شتى، ما بين تفسير تآمري يؤكد أننا أمة عظيمة وأن واقعنا المتردي نتيجة مؤامرة غربية محكمة ممتدة في الزمان والمكان،
وهي إجابة لا يعجز من يتبناها عن أن يجد ما يعزز موقفه من الذاكرة المثقلة بالصراعات المتعددة التي شهدها تاريخ علاقتنا بالغرب، وبين تفسيرات أيديولوجية تقطع بأن لكل حضارة سمات مميزة ثابتة لا تتغير أبداً وأن حضارتنا هي في المقام الأول حضارة روحية مشغولة بحكم بنيتها بالمعنى وبالتالي بعالم المثل أكثر من انشغالها بالإنجازات المادية، ومن أراد حشد الشواهد المؤيدة لذلك فلن يصعب عليه انتقاء الوقائع والأدلة من الماضي والحاضر على السواء.
وهناك من يرى أن تخلفنا أمر طبيعي لأن التاريخ يسير بشكل «خطي» وبالتالي فإننا سنمر بالعصور الوسطى ثم ندخل مرحلة الحداثة بشكل آلي عندما نستكمل الشروط «الموضوعية» للتقدم، والعيش في شرنقة الأيديولوجيات يريح عقل منتج الفكرة ومتلقيها من عناء القراءة المتأنية لما هو موجود بالفعل ومشقة ابتكار طريق للخروج من كهف التخلف لا يلتزم بـ «خريطة الطريق» الجاهزة هي التي في نظرهم صالحة لكل زمان ومكان!
أزمة الإطار
ومع الإقرار بحقيقة الاختلاف والتمايز بين الأمم والثقافات فإن الاستفادة من تجارب الآخرين ـ السابقة والمعاصرة معاً ـ مصدر ملهم دائماً بل إن القرآن الكريم اعتبر هذه التجارب نوعاً من الهداية قال تعالى: «يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم» (النساء 26)، والهداية هنا هي إلى سنن أي قوانين لا تتخلف وتعتمد في شمولها على وجود فطرة إنسانية تمثل مشتركاً عاماً بين البشر. ومن أهم العبر والدروس التي يخرج بها من يتأمل تاريخ العصر الحديث أن «الدولة» كشكل تنظيمي تلعب دوراً مهماً في السير للأمام أو الخلف فهي ليست إطاراً محايداً بل يمكن أن تكون عبئاً كما يمكن أن تكون عبئاً على أي مشروع للنهوض.
وقد اختارت نخب التحرر الوطني العربية ولعقود متتالية أن تنظم الجماهير من خلال شكل «دولة الكفاية» ويقصد بها الدولة الأبوية التي تتكفل بمواطنيها من المهد إلى اللحد: تعلم وتربي وتطعم وتكسو وتوظف وتوفر السكن والعلاج بل الترفيه!
وهذه الدولة التي تبدو كما لو كانت تدلل مواطنيها كانت في الحقيقة أشبه بخط إنتاج ضخم لا ينتج سوى الكسالى، حيث لا مكان للكفاءة والتدافع الذين يخلقان مناخ المنافسة بمعناها الشامل: السياسية (تداول السلطة)، الاقتصادية (الاقتصاد الحر)، الثقافية (التعددية)، وكانت النتيجة أن تحول المواطن العربي من ثروة إلى عبء وأصبحت صيحات الإنذار من النمو السكاني وضرورة السيطرة عليه أعلى صوتاً من دعوات إحلال الثروة البشرية محل الثروات الطبيعية كطريق للتقدم،
وبالتالي توجهت البوصلة نحو تحقيق الكفاية وتقليص درجة الاحتياج للخارج عبر سياسات إحلال الواردات والتركيز على الاحتياجات الأساسية والبحث عن كل ذرة من الثروات الطبيعية، فضلاً عن الاعتماد المفرط على اقتصاد الريع واقتصاد السلعة الواحدة، وهو طريق معبد لإنتاج «مواطن كسول»، يريد تحقيق الحد الأدنى بأقل جهد ممكن، وكذلك كان سلوك الدولة!
العرق والدم
وفي هذا المناخ لم يكن من المتوقع أن يكون العالم العربي مصدراً لاقتصاد المعرفة أو حتى الاقتصاد الصناعي بمعناه الحديث. ورغم أن الحقبة التي شهدت بناء الدولة العربية الراهنة كان محاطاً بتركة الاستعمار الثقيلة وتحديات ظرف دولي صعب أعقب الحرب العالمية الثانية فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن اتخاذ قرار باتخاذ شكل تنظيمي للدولة كان يحتاج قدراً أكبر من التمحيص والتدقيق والاستعانة بدروس التاريخ الإنساني كما تدعونا الآية الكريمة سالفة الذكر،
بل إن العلم العسكري قد أرسى منذ مئات السنين قاعدة ذهبية تتجاوز حدود تأثيرها النطاق العسكري فقالوا: «بذل العرق في التدريب يوفر الدم في المعركة»، لكن قدراً كبيراً من حسن النية وقدراً أكبر من الحماس وقدراً مذهلاً من الكسل العقلي جعلنا ندخل معركتنا الكبرى دون تدريب تقريباً!
ودولة الكفاءة لم تكن خياراً مجهولاً آنذاك، صحيح أن العلوم السياسية لم تطور المقاييس الحديثة لقياس القوة الشاملة للأمم إلا مؤخراً وأن التقارير العالمية لقياس كفاءة التنظيم السياسي للدولة وتأثيره في قدراتها السياسية تعتبر تقليداً جديداً نسبياً، إلا أن التعقيد وإصدار مثل هذه الأدبيات يأتي دائماً بعد أن تكون الظواهر قد استقرت واتضحت معالمها، وبالتالي فإن دولة الكفاءة كانت خياراً متاحاً استبعدته النخبة العربية بسبب القناعات المسبقة التي تحكم تصورهم لشروط النهوض ومساره الذي تم التعامل معه بوصفه «مساراً حتمياً» لا بوصفه بديلاً ضمن سلة من الخيارات المختلفة نوعياً أو نسبياً.
البحث عن المجهول
ولقد كان البحث عن المجهول واحداً من أهم صناع التاريخ الاقتصادي للبشرية فاكتشف الأوروبيون قارات العالم الجديد وهم يبحثون عن طريق للهند لا يمر عبر العالم الإسلامي بكل ما أدى إليه ذلك من نتائج فارقة في تاريخ الشرق والغرب معاً، وفي المقابل كانت محاكاة المعلوم الطريق إلى الجمود والتخلف واجترار القدر المتوفر من المعرفة والدوران في فلك دورة اقتصادية بدايتها ونهايتها محددة سلفاً، ومع التكرار أصبحت النمطية تمسك المقود ولم يجد الباحثون عن المجهول مكاناً لهم في دولة الكفاية فهاجرت خيرة العقول العربية لتمد اقتصادات العالم الأكثر تقدماً بأهم أسباب القوة.
ومع تجريف المجتمعات العربية من الباحثين عن المجهول الذين لا تشغلهم الكفاية تحول البحث عن طريق للمستقبل إلى ساحة لتبرير ما هو قائم وهجاء الأكثر كفاءة واتهامه بالتآمر على نهضتنا، وحلت لغة الدفاع عن الذات وإشباع الحنين لماضينا الذي لا يشكك أحد في أنه كان مجيداً محل لغة نقد الذات ومراجعة الخيارات وتعبيد الطريق نحو الجديد،
رغم أن هذا الماضي المجيد هو أكبر دليل على أن «دولة الكفاءة» هي الشكل التنظيمي الأقدر على وضع أمتنا في الموضع الذي تستحقه، لكننا قررنا استيراد نموذج الدولة المركزية الحديثة في طبعتها الأوروبية ورفضنا أن نستفيد من التجربة الأميركية التي ضربت المثل الأنجح لدولة الكفاءة، حتى أنها تجاوزت التجربة الأوروبية بمسافة واسعة:
اقتصادياً وتكنولوجياً، بل إن من استوردنا منهم هذا الإطار التنظيمي هم أنفسهم يتجهون بشكل ملحوظ للاستفادة من التجربة الأميركية. ونحن قبل أن نشيح بوجهنا عن جانب مهم من عبرة تجارب الآخرين في ماضيهم وحاضرهم عجزنا عن استيعاب عبرة تاريخنا نحن!
كاتب مصري