قمة الرياض التي اختتمت أعمالها أمس، تندرج في خانة لمّ الشمل ورأب الصدع في المنطقة. وبذلك فهي، بمقاييس القمم السابقة ـ خاصة في السنوات الأخيرة وبمعايير ظروفها وتحدياتها ـ قمة استدراك إيجابي. فقد نجحت في تجاوز الألغام الكثيرة التي كانت مزروعة في طريقها. تعطيل صواعقها كان بحد ذاته بمثابة إنجاز.
كما نجحت في تحقيق توافق عربي واسع، لم يكن من السهل بلوغه. على الأقل تمكّنت من كسر الجليد، على أكثر من جبهة عربية. وهو كان قد تراكم بسماكة أثارت المخاوف من تعذر القدرة على اختراقه. على الصعيد الفلسطيني انعقد إجماع القمة على إعادة طرح «المبادرة العربية» المعروفة بمبادرة قمة بيروت عام 2002، ومن دون تعديل.
الأمر الذي عاد ليرمي الكرة في الملعبين الإسرائيلي والأميركي. وأخذ هذا الإجماع زخماً إضافياً من كونه قد أتى على خلفية اتفاق مكة وولادة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساسه؛ بحيث تم توحيد البيت الفلسطيني وانسدت أسباب نزفه؛ ليتحول بذلك من عبء على قضيته وأمته إلى ورقة قوة لهما.
وعلى الصعيد اللبناني، ربما كان الإنجاز الذي حققته القمة، في أنها استطاعت احتواء توترات وضعه وإيجاد صيغة واحدة مشتركة لمواقف أطرافه المختلفة؛ مع توافقات وتفاهمات واعدة لجهة استئناف الجهود الرامية إلى بلوغ مخارج مقبولة للأزمة في أعقاب القمة.
أما بالنسبة للوضع العراقي، فقد حرصت القمة على التركيز على أهمية العمل والتحرك الفاعلين لوقف النزف ولقطع دابر العنف الطائفي؛ باعتباره الخطر الأكبر المهدد للبلد ومصيره؛ فضلاً عن إبداء التضامن مع شعبه وحكومته، لإخراجه من أزمته النازفة ووضع حد لمأساته وإحباط أخطارها.
وربما كان من أهم ما قررته هذه القمة هو الاتفاق على عقد قمة عربية تشاورية، كلما استدعى الأمر، إذا حظى عقدها بموافقة ثلثي أعضاء دول الجامعة من دون أن يؤثر ذلك أو يتدخل في دورية القمة السنوية. ويعكس هذا التطور إقراراً بمدى الحاجة إلى إحياء التضامن العربي وضرورة العودة إلى تعزيزه من أجل تمكين المنطقة من عبور هذه المرحلة بكل ما تحمله من تحديات غير مسبوقة بحجمها وأبعادها الخطيرة.
في ظل هذه الأجواء التي سادت القمة، كان من الطبيعي أن يعرب المؤتمرون كافة عن عمق ارتياحهم لمجريات المؤتمر وقراراته وما تخلله من مشاورات جانبية ساعدت في استرخاء الأجواء وتنفيس الاحتقانات، بل في عودة المياه إلى مجاريها؛ على صعيد علاقات أكثر من جهة، كان قد أصابها الفتور في الآونة الأخيرة.
حتى هنا، كل شيء على ما يرام. القمة تركت الانطباع بأنها شهدت حالة من الصحوة لمخاطر اللحظة الراهنة وبأن عامل الوقت بات ضاغطاً ولا يسمح بأقل من العمل الفاعل. الآن تدخل قمة الرياض إلى غرفة الترجمة: ترجمة التوافق إلى وقف للنزف، والمباشرة في عملية الترميم. البديل تعرفه القمة، خاصة وأن غيوم أزمات جديدة تتراكم بسرعة في الأفق وتهدد بإدخال المنطقة في آتون صراعات قد تنقلب معها كل الحسابات والمعطيات.