من يعتقد ـ مجرد اعتقاد ـ أننا حين نفتح ملف خلل التركيبة السكانية وآثارها المدمرة على الهوية الإماراتية وثقافة المجتمع، فإننا ننطلق من نظرة دونية لهذه العمالة، وبأننا لا نعترف بدورها في فعل التنمية والبناء، فإنه يكون قد أخطأ القراءة وأساء الفهم، أو على الأقل التبس عليه فهم الهدف الذي نرمي إليه، وقبل كل ذلك،

نعود ونؤكد، نحن لا نتحدث في الوقت الضائع أبداً، فما زالت الفرصة سانحة لإنقاذ ما تبقى لدينا، وأعتقد بأن ما تبقى جيد ويستحق عناء المحافظة عليه، والاعتزاز به ومناهضة أي مشروع لتذويبه في «محاليل» الآخرين، حتى مع قبولنا بمبدأ التعايش الحضاري معهم!

فأولاً وثانيا وعاشراً يحق لكل دول العالم أن تصدر عمالتها حيث تشاء، كما يحق لكل الدول أن تستورد أي عمالة من حيث تشاء، لكن لم يقل أحد أن يترك الأمر للعمالة، وللوافدين الأجانب، وللآتين بحجة العمل المؤقت، أن يترك لهم حرية البقاء والاستقرار للأبد عملاً بخطة غرس الجذور ـ كما أنه لا يجوز ترك الحبل على الغارب لهم لاستصدار الصحف مثلا، أو تقنين العمل فيها ورسم هوامش وسقوف حريتها.

وخيراً فعل مجلس الوزراء بقراره الأخير الذي يشترط موافقة المجلس الوطني للإعلام عند استصدار تراخيص الصحف الأجنبية! هذه واحدة من الآليات التي يمكن بها تقنين الفلتان الحاصل في سوق العمالة الأجنبية وسيطرتها على تفاصيل الحياة بشكل فعلي وعملي، حتى وإن بدا غير حقيقي وبلا أدلة أحيانا،

بمعنى أن العمالة الآسيوية من جنسية معينة تتحكم بمجريات التوظيف في كثير من البنوك وشركات التأمين والمكاتب العقارية، وحقل الطب والصيدلة، وقطاع العقارات، وتجارة التجزئة والذهب والالكترونيات ووكالات السيارات و...، على اعتبار أن المدير التنفيذي من نفس الجالية،

ومدير التوظيف أو الموارد البشرية من نفس الجالية. إذن فنحن من منح لهؤلاء حق التغلغل والسيطرة العددية، وهذا ليس في صالح أمن البلد مهما كانت درجة الأمن التي نحظى بها اليوم، ونحمد الله عليها، لكن طغيان جنسية معينة ليس في صالح أحد.

المفزع أن السيطرة الأجنبية عندنا تتوزع على جنسيات مختلفة، لكنها في النهاية تتقاسم مفاصل الحياة الاقتصادية في البلد على حساب سيطرة الإماراتي باعتباره مواطن البلد أولاً وصاحب الحق ثانياً، ومن يحق له وحده بسط النفوذ والهيمنة بالقوانين والتملك والتوجيه والمراقبة وتحديد الآليات والضوابط.

المفزع هنا أن خلل التركيبة السكانية عددياً وثقافياً واقتصادياً لصالح الأجانب سحب هذه السيطرة وهذا النفوذ لصالحهم، ما يكرس اليوم هذا الشعور بالخوف والاغتراب وفقدان السيطرة على مفاعيل السوق، وصولاً إلى الإحساس الأخطر بفقدان الهوية والثقافة الوطنية أمام سطوة الأجانب الذين يفسحون كل المجالات لتعزيز ثقافتهم وتفاصيل هويتهم على حساب ضياع الهوية الإماراتية،

وهذا جلي وواضح في: ضياع العربية لصالح الانجليزية والأوردية، سيطرة المطبخ الآسيوي، شيوع الذائقة الهندية في الملابس النسائية تحديداً، آلاف الموظفين الآسيويين الذين يملأون المؤسسات والشركات والبنوك والحافلات والشوارع.

sultan@dmi.gov.ae