تساءلنا في مقال أمس: إذا أمكننا ضبط مطبوعات وأنشطة المناطق الحرة الإعلامية في الدولة، فكيف سنضبط مجلات محلية، يديرها مواطنون لا ترى منها إلا كل غث يهدم أبناءنا، ويبعدهم عن قضاياهم، ويهمش عقولهم، ويدعوهم إلى الانفتاح الذي يهدم قيمنا وثوابت مجتمعنا؟
قد يعتقد بعضهم أني أبالغ، أو أوجه اتهامات إلى بعض المجلات المحلية دون أن أرتكز على قاعدة وأساس. لذا فإني سأعرض في هذه الزاوية محتويات عدد واحد لمجلة محلية تخاطب الشباب، وللأسف الشديد أن من يدير هذه المجلة مواطنون يفترض أن يكونوا حريصين على ثقافة مجتمعهم وقيمه تلك التي ينبغي أن يؤصلوها في الأبناء بدل انتزاعها بالقوة.
أبدأ بالعناوين الرئيسية على غلاف هذه المجلة، مغتصبات على مشنقة الشرف، 10 بطاقات للحب، فتاوى غرف النوم، ممثل متهم بالتحرش، رحلة العمر تبدأ بالكمين! (ر) و (م) يعشق الأكل وتحب العيال، وعلى الغلاف صورة لشابين متعانقين.
وإذا تصفحنا المجلة وجدنا موضوعات فيها من الجرأة الكثير، وكأن العاملين في هذه المجلة يعتقدون أننا بحاجة لجرعة إضافية من الجرأة لنمنحها لهذا الجيل الذي تجرأ رغما عنا بسبب المتغيرات المجتمعية التي تحيط به. نتساءل: ما أهمية عرض موضوع اغتصاب فتاة أفغانية وتفكيرها في الانتحار، وما جدوى تحويل هذه القضية إلى قضية رأي عام وعلى شريحة أبناء العشرين.
التحقيق يستفزنا نحن الكبار عندما نقرأ قصصاً يعرضها حول وسائل الاغتصاب وطرقه، وموقف مجتمعاتنا العربية منه، وربما يجعل ابن أو ابنة العشرين يفكر في الانتحار نفسه، فيما لو تعرض له لأن المجلة صورت حادث اغتصاب الأفغانية وردها عليه على أنه بطولة!
وفي صفحة أخرى تعرض المجلة قراءات للأبراج تحت عنوان «عواطفك معلقة بين الكواكب» وتتحدث فيه عن علاقة المرأة بالرجل ومشاعرها تجاهه، وكيف ينبغي أن تتعامل معه، وننتقل إلى صفحة أخرى تحت عنوان «حروب الحب ليست خاسرة دائما»،
نعم المجلة تعتبرها ليست خاسرة عندما تحب الصديقة والد صديقتها وتتزوج منه بعد حرب طاحنة، والأكثر أن امرأة متزوجة تقع في غرام ابن صديقتها الذي لا يتجاوز عمره عمر أحد أبنائها، وتتزوجه، وتقول: زوجي حبيبي «ابن صديقتي».
أضف إلى ذلك قصص حب أخرى تحدت الاختلاف بين المذاهب والأديان والطبقات الاجتماعية، وكأنها دعوة مفتوحة للحب والتمرد دون وضع حساب لأي اعتبارات. المجلة من أول صفحة والى آخر صفحة لا تترك فرصة إلا وتتحدث فيها عن الحب والعلاقات غير الجائزة شرعاً،
وتعرض ذلك وكأنه أمر مقبول لدينا كمجتمعات عربية ومسلمة، رغم أنها تحاول أن تقدم شيئا جيداً في أجزاء منها، لكن هذا الجيد الذي قد يفيد من هم في هذه المرحلة العمرية يضيع وسط طوفان الموضوعات الأخرى التي يستمتع بقراءتها الشباب من الجنسين.
الشاهد في هذا أننا لا نعارض إصدار مجلات تخاطب الشباب أو غيرهم، لكننا نريد مرتكزات وثوابت تنطلق منها موضوعات هذه المطبوعات. نحن لا ننكر جرأة هذا الجيل، ولا ننكر ما يقوم به من ممارسات وسلوكيات خاطئة، لكننا كمسؤولين نتحمل مسؤولية توجيهه وتوعيته وتثقيفه، ومحاورته بشكل يوضح ما له وما عليه دون ان نسمع آراءه ونكتفي بذلك، وان كان ذلك على حساب اعتبارات وقيم مجتمعية.
هذه المجلات تحظى بإقبال الشباب، ونصدّرها من الإمارات للخارج، وواجبنا يحتم علينا دق الأجراس هذه المرة قبل أن نستيقظ يوماً، ونحن على فاجعة جيل نكون نحن أهل البلد أول من دمره لا غيرنا، وهنا تصبح مصيبتنا أكبر لأن «عوقنا من بطوننا».