لم تكن قد مضت مدة طويلة على ذلك اليوم الذي وضعت فيه الحرب العالمية الثانية أوزارها إلا وكان أعداء الأمس يجتمعون ليعلنوا قيام سوق مشتركة فيما بينهم. جرى ذلك بالعاصمة الإيطالية روما في الخامس والعشرين من شهر مارس في العام 1957، أي بعد انتهاء تلك الحرب الضروس بعقد ونيف. كانت مشاهد الحرب الأليمة ومآسيها المفجعة لا تزال حية في ذاكرة المجتمعين من الدول الست: فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج.
وكان انقسام أوروبا الحاد بادياً أمام ناظريهم بين معسكر غربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، التي دخلت الحرب في مراحلها الأخيرة والتي حاربت على أرض غير أرضها فلم تصطلي بويلات الحرب بكل أبعادها الإنسانية، وبين معسكر آخر تشكل في شرق أوروبا ليضم شطراً من ألمانيا بقيادة الإتحاد السوفييتي، الذي خرج منتصراً بتضحيات بشرية ومادية جسيمة.
لقد بدأ المجتمعون في روما بمشروع لسوق أوروبية مشتركة بغية خلق واقع مادي يكون أرضية لتقارب أعمق بين شعوب تلك القارة تحقيقاً لحلم راودهم جميعاً وهو بناء الولايات المتحدة الأوروبية. وكانت خطواته الأولى متواضعة تتركز في رفع القيود الجمركية على صادرات وواردات الدول الأعضاء.
وظلت عضوية السوق محصورة بين الدول الست المؤسسة مدة طويلة من الزمن إلى أن جاءت سنة 1973 بكل من الدنمارك وايرلندا وبريطانيا. ثم جاءت التحولات الديمقراطية في كل من اليونان وإسبانيا والبرتغال لتدخل أنظمتها الجديدة في الاتحاد الأوروبي في العام 1981 للأولي 1986 للبلدين الأخيرين. ولقد لحقت النمسا وفنلندا والسويد ذلك الركب في العام 1995.
وإذا كانت السوق الأوربية المشتركة في بدئها مشروعاً اقتصادياً غربياً عبر في أحد جوانبه عن انقسام أوروبا إلى معسكرين متصارعين، فإن انهيار المعسكر الاشتراكي قد فتح الباب للأنظمة الديمقراطية الوليدة على أشلاء حلف وارسو في شرق أوروبا بالانضمام إلى منظمة الوحدة الأوروبية تباعاً.
فقد التحقت عشر دول بها في العام 2004 ليصل عددها إلى 25 دولة ثم تبعتها في أوائل هذا العام دولتان فقيرتان بالمستوى الأوروبي الغربي هما بلغاريا ورومانيا. ويمكن لحدود المنظمة أن تمتد إلى العراق وإيران بقبول تركيا عضواً فيه، وهو أمر مازال يلقى معارضة بعض الأعضاء كفرنسا.
إن ما بدا مشروعاً اقتصاديا متواضعاً تطور ببطء إلى مشروع اقتصادي وسياسي واجتماعي ضخم. فقد اتخذت تلك الدول منذ الستينات تدابير اقتصادية موحدة فيما يخص الإنتاج الزراعي واستخدام الفحم والطاقة النووية، وأسست في العام 1979 نظاماً مالياً ليتوج في العام 1999 بالاتفاق على عملة موحدة وهي اليورو التي بدأ تداولها عملياً منذ العام 2002.
« وبات المواطن الأوروبي قادراً على قطع معظم أوروبا طولاً وعرضاً دون أن يفكر في إبطاء سرعة سيارته على الحدود »، كما تكتب جريدة دير شبيغل الألمانية (23/3) بفضل اتفاقية شنجن التي رأت النور في العام 1985.
لقد أضحى الاتحاد الأوروبي سوقاً عملاقة بكل معاني الكلمة، فهو بات يضم سبعاً وعشرين دولة يبلغ مجمل تعداد سكانها 490 مليوناً، يتمتعون بتعليم عال ومهارات نوعية متنوعة، ومن بين تلك الدول دول صناعية رئيسية كألمانيا وفرنسا وبريطانيا والسويد وغيرها.
ويتمتع سكانها كما قلنا بحرية التنقل والبيع والشراء في هذا المحيط الكبير. ومنذ العام 1987 استفاد مليون ونصف شاب من الاتحاد من برنامج أراموس للتبادل بين طلاب الجامعات. ويعيش حوالي 2 بالمئة من سكان الاتحاد في بلدان غير بلدانهم الأصلية.
والحق أن الاتحاد هو نعمة على أعضائه، خذ على سبيل المثال وليس الحصر اسبانيا التي دخلت الاتحاد بعد أحد عشر عاماً من تخلصها من حكم فرانكو، إذ تلقت منذئذ مبلغاً ضخماً من الاتحاد يقدر بمئة وتسعين بليوناً من الدولارات لتضعها في مقدمة الدول السبع والعشرين من حيث معدل دخل الفرد بعد أن كانت في موقع متخلف في بداية التحاقها في الاتحاد، كما تشير جريدة النيويورك تايمز(25/ 3).
وتتوقع بولندا أن تحصل على أكثر من مئة بليون دولار من الآن حتى العام 2013. وتمتلئ شوارع كثير من الدول الأوروبية الغربية هذه الأيام بمهاجرين من بلغاريا ورومانيا اللتين انضمتا للتو. ومن المعروف أن الدول السبع والعشرين تتباين كثيراً في خلفياتها القومية والمذهبية، بين دول أنغلوساكسونية كألمانيا وبريطانيا ودول الشمال، ودول لاتينية كفرنسا واسبانيا وايطاليا ورومانيا، وأخرى تنتمي إلى العرق السلافي كبولندا والتشيك فضلاً عن اليونان ذات الحضارة المتميزة.
وهي تتوزع بين المذاهب المسيحية الرئيسية: الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثوذكسية. وثمة اعتزاز قومي عميق لكل شعب من هذه الشعوب بلغته المتميزة وبخصوصياته الثقافية، ويقرن عادة هذا الاعتزاز بتاريخ طويل من الصراعات الدموية التي وقعت على الأرض الأوروبية بين هذه الشعوب لا أقلها حربان عالميتان اندلعتا في أقل من عقدين في النصف الأول من القرن الماضي. إن تلك الاختلافات والتباينات لم تمنع من تباشير ظهور «هوية أوروبية موحدة» ،
إذ طبقاً لاستطلاع أجرته صحيفة اللوفيغارو وتشير إلى نتائجه النيويورك تايمز فإن71 بالمئة من الفرنسيين يشعرون بفخر واعتزاز لانتمائهم إلى الاتحاد الأوروبي. ويذهب الفيلسوف الفرنسي المعاصر برنارد هنري ليفي في مقابلة مع جريدة ديرشبيغل (23/ 3)إلى التركيز على عنصر الرموز الجمعية كأساس ثقافي للاتحاد الأوروبي وهو يدعو إلى وضع تاريخ أوروبي مشترك.
وما قيل لا يعني أن الاتحاد الأوروبي دون مشكلات أو تباينات في التوجهات بين مكوناته الأساسية. فقد رفض الناخبون الفرنسيون والهولنديون الدستور الأوروبي في العام 2005. وثمة نظرتان إلى هذا الاتحاد من دوله المكونة: الأولى وتقودها فرنسا وألمانيا تدفع باتجاه إقامة فيدرالية بين دوله تحقيقاً لتجسيد الولايات الأوروبية المتحدة.
وهذا الفريق يريد لهذا الاتحاد أن يكون مستقلاً عن الارتباط بالسياسات الأميركية بشكل عام. أما النظرة الثانية فتتبناها بريطانيا ودول أوروبا الشرقية ( التي هي أميركية أكثر من الأميركان أنفسهم ) وترى هذه المجموعة في الاتحاد نوعاً من التجمع الاقتصادي ليس إلا.
ولعل الفوارق الكبيرة في الدخل بين أعضائه مشكلة أخرى، ففي حين أن الرقم يرتفع في فرنسا إلى 41 ألف دولار في السنة، ينخفض هذا الرقم في رومانيا إلى 6330 دولارا في نفس الفترة.ورغم تلك المعوقات يمضى الاتحاد الأوروبي من نجاح إلى آخر ويوفر لشعوبه حياة كريمة مبنية على فلسفة الرعاية الاجتماعية،
ويتخذ من القرارات العقلانية التي تدعم تطوره كقراره الأخير بأن تكون 20 بالمئة من الطاقة المستخدمة بحلول العام 2020 من الطاقة المتجددة ( طاقة الرياح والشمس والأرض )، ويلزم نفسه بمعايير صارمة حفاظاً على البيئة وتقليلاً من الاحتباس الحراري.ولاشك أن تجربة الاتحاد الأوروبي تجربة ثرية يمكن الاستفادة منها في تطوير مجلسنا وهو مجلس التعاون لدول الخليج العربي.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com