بعد أعوام قليلة من الاحتلال، أمسى الملف العراقي عبئاً ثقيلاً يقض مضاجع الإدارة الأميركية، ويضيف إليها فشلاً كبيراً في سياساتها الدولية على امتداد المعمورة، ويتوعد منظري الحرب الذين باتوا يعيشون خريف عمرهم السياسي، خصوصاً بعد تقرير (بيكر ـ هاملتون)، وعجز القوات الأميركية المتواصل في ظل الخسائر اليومية التي تتعرض لها على أرض العراق.

فإدارة الرئيس جورج بوش الابن لم تعد تستطيع مواصلة سلوك المكابرة في معالجة الملف العراقي، وإلقاء التهم المباشرة لكل من سوريا وإيران بشأن الانفلات الأمني المريع والمتواصل في بغداد وباقي المدن العراقية، فقد عجزت قوات الاحتلال الأميركية حتى اللحظة عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في الساحة العراقية،

وباتت الآن تغرق في مستنقع اسمه أوحال العراق، الأمر الذي عبرت عنه بوضوح وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت (وهي الوزيرة المعروفة بتشجيعها غزو العراق قبل أعوام خلت) التي قالت ان العراق أصبح أكبر كارثة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية المعاصر.

وأشارت دراسة مقدمة من قبل بيتر بيرغن وبول كروكشانك، الباحثان في مركز القانون والأمن في كلية الحقوق بجامعة نيويورك ان شعب الولايات المتحدة «سوف يعيش ورطة في العراق لأكثر من عقد مقبل». واعتبرا ان «وصول الوضع الأميركي في العراق حدّ الانهيار،

فإنّ المنطقة والعالم قد يكونان مقدمين على زمن خطير جداً قد يُرغم مفتعلي هذه الحروب على إعادة الاعتقاد بأننا نعيش في عالم واحد لا عالمين، وأنّ النار التي يشعلونها هنا ستصل ألسنتها إلى الجميع، وأنّ الأساس في خلق الأمن للجميع هو إعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية وللمعايير الأخلاقية والتّخلص من النظرة العنصرية للعرب».

وعليه، فان دعوة كل من سوريا وإيران إلى اجتماعات دول الجوار في بغداد، تمثل استجابة أميركية أولية لمنطق العقل، وخطوة أميركية بالاتجاه الصحيح بعد أن كانت سياسة واشنطن تقوم على عزل وإقصاء كل من سوريا وإيران، في وقت بات فيه الجميع على قناعة شبه كاملة بأن التورط الأميركي في الملف العراقي لم يكن وارداً بالحسبان الذي وضعه منظرو الغزو الأميركي للعراق في البيت الأبيض وسدنة القرار الأميركي،

وأن معالجة الملف العراقي تتطلب بالضرورة دوراً مباشراً وايجابياً من قبل جميع دول الجوار بدلاً من عمليات العزل والإقصاء التي مارستها واشنطن خلال الفترات الماضية تجاه الدور السوري والإيراني. فإلى جانب الخسائر اليومية التي لا تتوقف بصفوف قوات المارينز الأميركية، يمكن القول ان الاستجابة الأميركية الأخيرة بدعوة سوريا وإيران إلى اجتماعات دول الجوار في بغداد،

تمثل في جانب منها استجابة ورضوخ لتقرير «بيكر ـ هاملتون» الشهير الذي أدان سياسة بوش في العراق، وتحدث عن ورطة أميركية كبيرة في مستنقع الأوحال، واستجابة أولية لصوت الجمهور الأميركي الذي بات يرتفع كل يوم مطالباً بإنهاء الوجود الأميركي والانسحاب من العراق، مترافقاً مع صوت الشارع البريطاني في التحركات الشعبية والمظاهرات المشهودة مؤخراً،

وهي التحركات التي دفعت حليف واشنطن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لإعلان البدء قريباً بالسحب التدريجي للقوات البريطانية من البصرة وجنوب العراق. ان رفع الفيتو الأميركي عن سوريا وإيران بالنسبة للملف العراقي، ودعوة كل منهما للمشاركة في مؤتمر دول الجوار، يعتبر أولى خطوات (حوار أميركي ـ سوري / وأميركي ـ إيراني)

وبداية تطبيق إحدى التوصيات الـ (75) التي خلص إليها جيمس بيكر ولي هاملتون في إطار مجموعة الدراسات للعراق، عندما حضا الإدارة الأميركية على محاورة مشروطة لكل من سوريا وإيران، سعياً إلى تحقيق الاستقرار في العراق، الأمر الذي تجاهلته إدارة الرئيس جورج بوش حتى هذا الوقت.

ورغم تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم توافق على كل توصيات تقرير (بيكر ـ هاملتون) فقد وجدت في بعضها إيجابيات وأبرزها العودة إلى قلب المشكلة التي هي ضرورة إجراء حوار بين واشنطن ودمشق، على أن يكون شاملاً الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والعراق، وتحقيق شرق أوسط خال من أسلحة الدمار الشامل.

ان فضيحة / كارثة العراق في عهد الرئيس جورج بوش، تعتبر هزيمة مدوية للسياسة الأميركية التي انفلتت من كل المعايير والضوابط، وبات معها منظرو الحرب في واد بعيد يعيشون خريف عمرهم السياسي، وفي أحسن الحالات يحاولون الفرار من عيون الفشل كما فعل وزير الحرب السابق وأحد منظري الحرب الوزير الصقري دونالد رامسفيلد،

فعلائم الفشل ترتسم كل يوم مع سيل التوابيت الطائرة من العراق باتجاه الولايات المتحدة، الأمر الذي يعيد إنعاش ذاكرة الأميركيين بكارثة الحرب الفيتنامية إبان عهدي الرئيسين ليندون جونسون، وريشارد نيكسون. ولكن وبأيّ ثمن سوف يكتشف منظرو هذه الحروب حقائق الأمور، وبعد أيّ مآس وكوارث؟

ان قطاعات متزايدة من رجالات السياسة ومراكز الدراسات والأبحاث الأميركية باتت على قناعة شبه كاملة بأن استخدام القوة لن يساعد في إيجاد الحلول للوضع المنفلت في العراق دون رؤية سياسية متكاملة للحل. فالحل سياسي، وينبغي أن ينبع من العراقيين أنفسهم، ثم يأتي دور دول الجوار والمجتمع الدولي لدعم الحل وتحصينه.

ان إطاراً للحل يفترض به أن يتضمن : (مؤتمراً للمصالحة الوطنية) لا يمكن القفز إليه كشعار، بل يجب التمهيد له من خلال إلغاء قوانين الحاكم العسكري الأميركي السابق بول بريمر، والمتعلقة باجتثاث واستئصال بعض الاتجاهات الفكرية والحزبية في الحياة السياسية للشعب العراقي، كحزب البعث العربي الاشتراكي وحل الجيش العراقي،

كذلك إعادة النظر في الدستور العراقي بما يضمن وحدة العراق الجغرافية والبشرية ويضمن انتماءه العربي، وحل المشكلة المفتعلة بالنسبة لمدينة كركوك لتكون مدينة للتعايش بين مجموع مكونات الشعب العراقي، واستعادة الفئات التي عُزلت من العمل السياسي. على طريق المصالحة الوطنية التي تقود العراق إلى برّ الأمان.

وفي المحصلة، يمكن القول ان الموقف الأميركي جاء متأخراً نسبياً في إقرار أهمية الدور السوري والإيراني في إقرار الأمن في العراق، بدلاً من كيل الاتهامات الأمنية لكل منهما، بشأن الانفلات الأمني اليومي في عموم العراق.

ومع هذا فان الإقرار الأميركي الأخير خطوة متواضعة بالاتجاه الصحيح، ويدل في جانب منه على السريان الأولي لمفهوم الفشل والهزيمة عند صناع القرار الأميركي في البيت الأبيض، وانحناءً واضحاً أمام مأزق العراق.

كاتب فلسطيني ـ دمشق