متى يستوقف هذا السؤال أي كاتب؟ قبل أن يخوض مغامرة جديدة في الكتابة، أم بعدما يفرغ منها؟ ربما في الحالتين، أما متى يداهم هذا السؤال مشاعره ودوافعه للكتابة، وينسج عليها خيوطه العنكبوتية الماكرة؟ فبلا أدنى شك، عندما يجد كلماته تائهة في الفضاء السحيق بلا صدى، وعندما لا يتذوق أحد ثمر الأشجار التي يغرسها، وعندما لا يستضيء أحد بنور الشموع التي يشعلها.
فالكاتب ليس تاجراً، لا تكاد تغرب شمس يوم من أيامه إلا وانكبّ على دفاتره ليعرف كم ربح أو كم خسر، وليس ممثلاً لا يحس بمعنى حياته إلا في دائرة أضواء الشهرة وأصوات التصفيق، وليس سياسياً يقضي عمره مبهوراً ببريق كراسي السلطة فيتقافز من كرسي إلى كرسي بلا هدف أخير.
ولعلنا نلحظ في هذه النماذج مدى حاجتها للجماهير لتستمد منهم ثقتها بنفسها حتى لا تكاد تستطيع العيش إلا بهم، أما الكاتب فإنه لا يستطيع العيش إلا لهم، لأنه لا يرى نفسه إلا واحدا منهم، وهذا ما يضفي عليه إنسانيته في صورتها النموذجية، فضمير الإنسان هو الذي يحرك حسابات مشاعره، وأحزان الإنسان وآلامه وهمومه اليومية والتحديات التي تحيق به هي التي تمنحه إحساسه بمعنى حياته وتدمع مقلة قلمه، وآمال الإنسان ورؤاه هي التي تبهره وتفجر تضحياته.
ولهذا لا يحزن الكاتب من كآبة السجون وظلمتها، لأن الفكر هو فضاؤه الذي يتنفس هواءه وسراجه الذي يستضيء به في الظلام، ولا يتعبه الاغتراب والشوق إلى مراتع الصبا، لأن القلم يبقى جواده الذي لا ينفض عنه غبار سفر إلا ويسرجه لسفر جديد، ولا يوهنه الجوع ينهش بطنه،
لأن سعادة الناس هي عشاؤه وفطوره وخبزه وملحه، ولا يؤلمه إيذاء جسده بالتعذيب أو إيذاء نفسه بالسخرية والنسيان، لأنه لا يهتم بجسده الذي يعيش في دنيا المصالح والمطامع، بل بروحه أن تظل حرة تتسامى في عوالم المُثُل والمبادئ، ولا يتحسر لخواء جيبه من الدرهم والدولار، لأنه يجد ثروته الحقيقية في كنوز القيم والأخلاق التي يؤمن بها ويمارسها، وفي مناجم مواهبه العقلية والفكرية التي يعجز الدرهم والدولار عن شراء ذرة منها.
أما ما يتحسر الكاتب عليه فهو خواء عقول بني الإنسان وقلوبهم من قيم الخير والحب والجمال، وما يؤلمه هو تمزيق لحوم بعضهم بعضا بمخالب الشر وأنياب الظلم، وما يستسلم له هو الحقيقة التي يبحث عنها لهداية الناس فلما يجدها عند غيره يتخلى في سبيلها عن رأيه مهما اعتز به، وما يتعبه هو استيطان الناس في مستنقعات الجهل والعشوائية بدلا من السكنى في سهول العلم والبصيرة، أما ما يحزنه فهو اختباؤهم وراء ظلمة الباطل هربا من نور الحق.
إن عصرا تنكرت فيه القيم والمفاهيم والبدهيات لمضامينها التي تعارف الناس عليها، كما هو الحال في عصرنا هذا، لا تعود الكتابة مقدرة متميزة أو موهبة مرموقة، ومن ثمّ لا تصبح القراءة مهارة متميزة ولا ممارسة راقية، وهذا ما يزيد من حدة الجفوة بين القارئ والكاتب
فلا يجد الأول في الثاني إلا مهرطقا يهدر مع وقته ومشاعره الكثير من الحبر والورق بما لا طائل وراءه، وفوق ذلك يزيد من حجم الفجوة بينهما فلا تكاد الإضاءات المنبعثة من كلمات الثاني تنير شيئا من ملامح الطريق المعتمة الوعرة التي يسلكها الأول.
قد يلتمس القارئ لنفسه الأعذار في أن صفوف الكتّاب يكدر صفوها المخربون والمجانين والمتسلقون الذين يندسّون بهم، ولكن أي صفوف لا يندسّ فيها من ليس منها، حتى صفوف المحاربين لا تخلو من العملاء والجواسيس واللصوص، فإذا احتدم القتال لم يصمد في ساحة الموت إلا الشجعان والأبطال والصادقون، وأين يجد الناس الذهب إلا بين الطين والتراب، ولكن الذهب الخالص في نهاية الأمر، لا تكشفه إلا النار.
ولهذا، فإن هذا النموذج النبيل للإنسان لا يتبوأ مكانته الخاصة إلا حيثما تنيخ الحضارة مطاياها، عندها فقط تتحول كلمات الكاتب إلى آلات للحراك والإنتاج والبناء، فلا يكاد يعتصر قطرة من رؤاه أو إبداعاته الفكرية والأدبية، أو تحليلاته واستنتاجاته وتنبؤاته السياسية أو الاقتصادية، أو أفكاره ونظرياته وابتكاراته الاجتماعية والعلمية، أو يتبنى قضية تحمل هموم الإنسان وأحزانه،
حتى يجد آلاف الأيدي التي تتلهف إليها لتتلقفها من فضائها الصوتي أو الصوري لتنسج على منوالها بالعمل الدؤوب والجهد المخلص فنونا حضارية، وصروحا عمرانية، وآلات إنتاجية، وحلولا خلاقة يتوالد من حركة تروسها المزيد من الآلات والإبداعات في دوائر تتزايد مع الزمن اتساعا وتأثيرا وعمقا،
تشهد بأحقية الإنسان بالتكريم والسيادة والأفضلية، في هذه البيئة يشم الكاتب خصوبة الأرض التي يبحث عن رائحتها، ويتلمس الثمار التي كان حريصا على أن تجد من يقطفها وينتفع بها، ويبصر السواعد التي تبث الحياة في أمله لأن تأخذ غدا راية العطاء وتواصل المسيرة.
ومع ذلك فإن الكاتب لا يقضي حياته في انتظار هذه المدينة الفاضلة، كما أنه لا يتوقف طويلا عند السؤال المملوء بالمرارة: لماذا، ولمن أكتب؟ لأنه صاحب رسالة، ولأنه يتفوق على الزمان والمكان، ومن ثمّ فإنه هذا الجُرف المهترئ لا يمكنه إيقاف حركته الواثقة، بل يواصل الكتابة أملا في ردم الفضاءات التي تحول بينه وبين أن تجد أذنا واحدة تنصت لصدى كلماته،
وحتى يتحول رتل الكلمات الممتدة من أقصى الماضي إلى أقصى المستقبل إلى قافلة تحمل نفس الميراث الذي حمل آصاره من قبل كل الأنبياء والعلماء والمصلحين، لأن ما يهمه هو عدد الأشجار التي يستطيع أن يغرسها قبل أن يداهمه الأجل المحتوم، ولا يهمه بعد ذلك إن أكل هو من ثمارها قبل موته أم لم يأكل، لأنه يؤمن بأن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة ستبقى سامقة نضرة،
وستطرح ثمارها من تلقاء نفسها، ويوما ما سيحين الأوان طال الزمان أم قصُر لأن يفطن فيه ولو إنسان واحد إلى القيمة التي تمثلها هذه الكلمة، وعندها ستتفجر الطاقات المكنونة فيها، وستسري الروح في كل الآمال والأحلام التي داعبت خياله، وستصبح كلماته منارا تسترشد به العقول والقلوب الصادقة في رحلة بحثها عن مدائن الخير والحق والعدل والحب والجمال.
كاتب إماراتي
