تمنينا في تلك الجلسة أن نرى يداً ولو واحدة مرفوعة تعارض تشكيل اللجنة وترفض التحقيق مع الثقافة ومحاكمة المثقف لكونه فتح حنجرته يغني، وبدلاً من فتح آفاق الحرية تحول رجال الدين إلى متربصين للمثقف في كل منعطف تبحث فيه الشمس لها عن منفذ للضوء.
تمنى المثقفون وجزء واسع من شعب البحرين أن يسجل في تاريخ هذا المجلس بأن هناك معارضاً واحداً من النواب قال لا لمعاداة الحرية ولكن قدر تلك السخرية السياسية في بيت الشعب أن تتحول الثقافة إلى مسرح للتراجيديا الدموية ولمأزق الثقافة بين الظلام والتنوير وتزداد تلك التراجوكوميدية هو أننا في الألفية الثالثة وفي عصر الثورة المعلوماتية وحلم الإنسان في غزو الفضاء وتفجير الثورات العلمية الكبيرة.
لقد بدت جلسة يوم الثلاثاء 20 مارس 2007 حامية الوطيس كمعارك المهلهل وكليب الثأرية. في تلك المداخلات التي أزاحت القناع عن نوابنا الأفاضل في جلسة اقل ما يمكن وصفها بأنها دراماتيكية، وبالفعل كانت مثيرة ولكن الإثارة في الكلمة والقاموس الديني لا نجد لها إلا تفسيراً واحداً هو تحريك الغرائز وإثارة الفتنة وخلق نسيج عنكبوتي من الفواحش، لهذا لا يعرف التيار الديني للعالم الذي يتحرك فيه إلا رؤية أحادية بذلك المنظور والمجهر القاتم،
ويطالبون الناس بتأليههم كرجالات في الأرض، وكل ما هو خارج هذا النطاق التسلطي المحصور بهم مرفوض بقوة وكأنهم يفهمون التعددية والتنوع الثقافي والفكري ومجلس النواب والانتخابات والديمقراطية - التي كانت في عرفهم حتى الأمس القريب إبداعاً غربياً مستورداً !- حكراً عليهم فيرددون دون وعي مفردات إننا نمثل الشعب، وتناسوا أن ليس هناك شعب مطلق في الانتخابات، وإذا ما فاز نائب في دائرة فهناك آخرون لم يصوتوا له،
وهؤلاء سواء كانوا أقلية أم كتلة كادت تطيح به، لهذا ننوه ونوضح أن ممثل الشعب في المجلس ليس بالضرورة هو ممثل لكل الشعب وإنما للأغلبية في تلك الدائرة الانتخابية التي أوصلته إلى كرسي مجلس النواب، كما أن الانتخابات بكل أصواتها وزخمها ليست بالضرورة تعبيراً عن نوعية المجتمع والقوى المجتمعية المتعددة.
واعتبر بعض الساسة وفقهاء التشريعات القانونية بأن ديمقراطيات الأغلبية ديمقراطية استبدادية، إذا ما حاولت التسلط على الأقلية ومصادرة حقوقها ومصالحها، وهذا ما يبدو غائباً للنواب الذين تم انتخابهم، فهم رددوا في الجلسة كل بطريقته أغنية قديمة، نحن نمثل الشعب !!، وانتخبنا الشعب !!،
وهكذا رددوا في جلسة الثلاثاء أنهم يدافعون عن أخلاق الشعب وكأنهم يستدرون عطفه ويمثلون عليه، لكونهم يشعرون بأنهم مقصّرون وسلبيون في الدفاع عن المطالب الحقيقية للشعب، لهذا من الأفضل التعويض عن نقائصهم في الدفاع عن الأخلاقيات المنتهكة في وضح النهار،
ويتوهمون أنهم بهذا الضغط والإثارة والتهديد يحققون هدفين، الأول إبقاء المجتمع والناخبين الذين هجروهم في الدورة الانتخابية الثانية والجيل الجديد الذي بدأ خلال السنوات الست يتناقص عنهم تدريجياً ويخرج عن مظلتهم، لكونهم يتعيّشون منه بامتيازات مادية ومعنوية.
والهدف الثاني مغازلة الحكومة كمناورة نيابية حول مشاريعهم وبرامجهم والتي تعني، أعطونا هذا وخذوا ذاك ! ،،. لهذا وجدنا أن بعض النواب المنقضّين على ربيع الثقافة يهددون أنهم سيشكلون أيضاً بعد لجنة ربيع الثقافة لجاناً لمحاسبة الفساد الإداري والمالي !!!
فنضحك لدرجة تهتز منها غرفنا، حيث انتخب بعضهم لدورة ثانية بالرغم من عجزهم في الأولى، وسيظلون عاجزين عن فتح ملف الفساد المالي والإداري بصورة جدية والاستمرار فيه إلى آخر المطاف، فهم يدركون عجزهم الحقيقي في الدفاع عن حقوق ومصالح الناس، ولكنهم لا يمانعون في المساومة بإطاحة رأس هذا الوزير أو ذاك لكونهم يركزون على الأمور الفرعية والأقل أهمية حول ما يسمونه بالفساد الأخلاقي فتنصب قضيتهم في ملاحقة السياحة والفنادق ومحلات يرونها مخلة بالشرف والقيم الدينية
، ولا بأس أن يكون هذه المرة ربيع الثقافة، هكذا نرى المشهد وما وراء المسرح والكواليس السياسية للتيارات، التي توافقت الآن ضد ربيع الثقافة وتطاحنت أيام الانتخابات وقالت فيما بينها من بذاءة الكلام وتآمر لم نعرفه من قبل، ولكنها عادت لمحاربة ربيع الثقافة معا كثمن لصفقات ستعقد فيما بعد حول ملفات لاحقة من اجل مصالحهم الخاصة باسم ضحية جديدة اسمه ربيع الثقافة وعلى، «مذبح الشعب».
وباسم الشعب والأخلاق والدين تم ركوب الموجة، بينما يعرف الجميع أن نواب المجلس الحاليين كانوا قبل ميلاد ربيع الثقافة وقبل ولادة مجلس النواب لديهم طروحات عدوانية لكل ما هو تنويري ويتعامل مع الحضارة من وجهة نظر حرة للقضايا العديدة.
ولو فتحنا ملفات الماضي لوجدنا حقيقة ما كانوا يرددونه من كراهية وعداء للانفتاح باسم دفاعهم عن الشرف والفضيلة دون أن يكلفوا أنفسهم الحديث عن مدى حجم المشاكل في العائلات والمجتمع والموجودة في اضبارات الشرطة ومستشفى الطب النفسي،
فلم يكن ربيع الثقافة مسؤولا عن ذلك التدهور الاجتماعي والأخلاقي، فقد عجزوا عن مصادرة الفضائيات اللعينة الفاسدة مثلما عجزوا عن ملاحقة الهواتف والمجلات والأفلام السرية والمخدرات والمجمعات التجارية والجامعات والاختلاط، بالرغم من أحاديثهم ليل نهار حول الفضيلة والأخلاق.
لهذا فالمسألة أعمق وابعد من حالة الاستماتة الخفية من اجل البقاء في مواقعهم لمدة أطول وتملك المجتمع وسطوتهم عليه للأبد. من هذه المقالة أحيي شجاعة شاعرنا الكبير قاسم حداد والفنان الشهير مارسيل خليفة في بيانهما، حيث لمسا الحقيقة وكشفا عن الاستبداد،
فاستعير من بيانهما جملة مهمة مقتضبة علينا تحويلها إلى أغنية أو شعار قادم وهي، إنهم يتربصون بنا في كل منعطف. نعم إنهم هكذا دائما وسيظلون حتى آخر الزمان، فقد كانت تثير حفيظتهم دائماً مفردة الظلاميين لشعورهم الداخلي انهم ضعفاء في مواجهة الشمس.
كاتب بحريني
