لعل الأحداث الدولية في الشهور الاخيرة من العام الماضي وبدايات هذا العام تعطي دلائل واضحة على ان هناك مؤامرات جديدة تستهدف زعزعة استقرار وأمن الدول العربية، خاصة مع مقارنة اسلوب معالجة الصراعات الاخرى خارج منطقة الشرق الاوسط بالحوار، بينما يظل من نصيب منطقتنا ان يكون الخيار العسكري هو السبيل الأوحد الذي تسلكه الدول الكبرى في التعامل معها وفي أفضل الاحوال التلويح بالسلاح في وجه المفاوض العربي، كي ينصاع ويتنازل.

ليس ذلك فحسب، بل دخلت الساحة مؤامرات جديدة تستهدف شق الصفوف العربية وتعميق خطوط الانقسام كي تصبح أخاديد يستحيل ان تلتئم كما يحدث في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال ودول عربية اخرى تهددها الفتنة الداخلية المدعومة من الخارج .

هذه التحديات تستلزم تحركا عربيا حاسما للانتصار للذات وحمايته ورأب الصدوع ولجم النزوع الخارجي واطماع الطامعين الى التهام الحقوق والثروات العربية، ويكفي الاشارة الى نموذج واحد للدلالة على ما يحاك للعرب من مؤامرات ، هذا النموذج هو العلاقات السورية اللبنانية، فقد وفرت سوريا منذ اتفاق الطائف مناخ سلام داخلي راسخ في لبنان حتى اجبرت قوى دولية سوريا على مخاصمة لبنان، ومنذ ذلك الحين لم يشهد لبنان استقرارا يذكر، بل ويحضر قمة الرياض اليوم بوفدين متخاصمين.

هذا الوضع يعني ان خصوم العرب ادركوا ان من الضروري بث الفرقة والشقاق بين كل المتآلفين والمتفاهمين حول اي سياسة وفاق على المسرح العربي بالمقابل اصبحت الوعود الدولية بمعالجة قضايا العرب التاريخية مثل قضية فلسطين مجرد مساع جوفاء وتحركات عشواء لا تفضي الى أية نتيجة، واخيرا تأتينا رايس وزيرة الخارجية الاميركية لتطلب إلينا (الانفتاح) على اسرائيل.

اي ان الآخرين يرون طروحاتنا للسلام وآخرها واكثرها انفتاحا (مبادرة السلام العربية) على انها (انغلاق) واليوم فقط نجد انفسنا امام تكييف خطير للوضع على لسان اميركي، بعد ان شاركتنا واشنطن عشرات السنين في مفاوضات ومبادرات ولقاءات وقمم اميركية عربية و..و..و..نجد انفسنا متهمين بالانغلاق.

طبعا هذا (الاعتباط) في تكييف الدور العربي لا يمكن تبريره الا كونه نتيجة شعور من الآخرين ان العرب يتلقون التهم فلا يستطيعون الرد عليها، لان بينهم من التناقضات البينية ما يمنعهم عن اتخاذ موقف موحد في مواجهة خصومهم.

ما نأمله من قمة الرياض اليوم ان تزيد من حالة التأكيد بان افضال العرب على غيرهم لا يمكن انكارها وان مبادرات العرب لا يمكن تجاهلها وما على الاميركيين والأوروبيين الا ان يطلبوا مع العرب موقفا اسرائيليا واضحا من المبادرة العربية، التي يلمح قادة اسرائيل انها اصبحت مقبولة لديهم مع اجراء بعض التعديلات، الا ان هذه التعديلات ما هي الا تفريغ للمبادرة من محتواها العادل والواضح، انها تعديلات تستهدف حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الثابتة، فإذا ما حاول العرب شرح انفسهم اتهموا بالانغلاق، ان الحقيقة التي لا مراء فيها هي ان رايس جاءت في رحلتها الاخيرة لتطلب تغيير المبادرة، ولما وجدت ثباتا عربيا على بنود المبادرة كما هي اضطربت خططها.

واهتز جدول اعمال زيارتها فاضطرت لإلقاء تصريحات رنانة حتى لا تعود الى واشنطن لتواجه لعنات اللوبي الصهيوني الضاغط، الذي يراقب حركات وسكنات كل مسؤول اميركي يحاول ان يتفهم عدالة الموقف العربي، فمرة اخرى نستدعي نصائح قادة عرب رحلوا عن دنيانا وهم مستمسكون بأركان القضية الفلسطينية، وقبل رحيلهم حذروا من اي تنازل، فالتنازل يجر الى تنازل وليس الى حلول، فلنصنع من قمة الرياض منعطفا تاريخيا على طريق استعادة الهيبة العربية حتى يعاملنا العالم من جديد معاملة الند للند، ولنصبر على الخصوم حتى يفهمونا كما نحن وليس كما يريدون.