لطالما كانت القمم العربية من وجهة نظر المواطن العربي، تقتصر فقط على لقاء الزعماء العرب ليوم أو يومين، ومن ثم عودة كل منهم إلى بلده، وتعود دورة حياتهم العادية من دون أن يلمسوا ما تم الاتفاق عليه في القمة، لأنه ومن قمة أنشاص عام 1946 وحتى اليوم، لم يطرأ على مقررات القمم العربية سوى بعض التواريخ، وبعض التفاصيل الصغيرة التي أحدثتها التطورات التاريخية.
فالقضية الفلسطينية مازالت تشكل المحور الرئيسي لنقاشات الزعماء، زيد عليها عام 1967 الأراضي العربية المحتلة في كل من مصر وسوريا والأردن، لتتقلص مساحة الحديث عنها بعد اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة لتنحصر في الجولان السوري المحتل، وإقامة الدولة الفلسطينية، والحرب الإسرائيلية على لبنان ابتداء من عام 1978 (اجتياح جنوب لبنان) ومن ثم عام 1982 (احتلال عاصمته) ثم الحرب الأخيرة عام 2006 وتداعياتها.
فإذا كانت القضيتان الفلسطينية واللبنانية إضافة إلى العراق ودارفور والصومال، تعتبر المحرك للقمة العربية اليوم، فإن مئات القرارات والتوصيات التي اتخذتها القمم العربية السابقة، بقيت حبراً على ورق، وأبرزها الدفاع العربي المشترك، والسوق العربية المشتركة، فضلاً عن تسهيل العلاقات بين مواطني الدول العربية، وهي أمور لو حصلت لما آلت الحالة العربية إلى ما هي عليه الآن.
أبرزت تطورات الأيام الأخيرة التي سبقت انعقاد القمة اليوم أن قمة الرياض ستكون مختلفة عن سابقاتها، بإرادة الداعين لها، وخاصة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز المدرك - عبر متابعته للقضايا العربية وعلاقاته الدولية والإقليمية - أنه لابد من الخروج من الروتين الذي طالما اتسمت به القمم العربية, والعمل على مواجهة الواقع بشجاعة من يريد أن يضع نقاط الحروف فوق مجسمات العمل العربي المشترك.
كانت المبادرة السعودية التي طرحها خادم الحرمين في قمة بيروت عام 2002 عندما كان ولياً للعهد، الخطوة الأولى نحو تعريف العالم بأن الأمة العربية لا تخاف السلام وهي تسعى إليه، بناء على أسس العدالة الدولية، ودون التفريط بالحق العربي، وخاصة الحق الفلسطيني، وعدم التنازل عن أي شبر من الأراضي العربية المحتلة.
وقد لاقت المبادرة في ذلك الوقت تجاوباً دولياً، لم يستطع العدو الصهيوني أن يتحمل تبعاته، فراوغ وراهن على الوقت لإفشال المبادرة، إلا أنها في قمة اليوم ستكون الأساس وستكون الباب الجديد للانطلاق إلى العالم بعد أن انكشف الرياء الإسرائيلي حتى في الالتزام بما وقع عليه، وخاصة خريطة الطريق التي هي خطة دولية برعاية أميركية.
إن ما تريده القمة اليوم من الأشقاء العرب وضع خلافاتهم الداخلية جانباً، والترفع عن الحساسيات التي لا تعني إلا أصحابها، كما هو حاصل في لبنان، وتقديم العام على الخاص، لأن ما يهم الشعوب العربية تنفيذ القرارات التي تهم عالمهم وقدرتهم على السير في الركب العالمي، لأن المراوحة تعني التخلف.