ما أعذب المحبة؟ وما أحوجنا إلى التوادد والرحمة؟ وما أطيب الدفع بالتي هي أحسن؟ وما أنقى من صفاء الأنفس؟ ما الذي اصاب مجتمعاتنا في كل هذا العالم كي تغدو كارهة للعالم ومكروهة الثقافة وتأكل الاحقاد القلوب ؟؟ ما الذي شتّت الوازع الانساني الذي بشّرت به كل الأديان؟

لماذا لم نكتف نكره الآخر، وأصبحنا نكره بعضنا بعضا؟ ما سر الفرقة التي غدت علامة فارقة لأممنا المنكودة؟ ما سر التعّلق بتاريخ يعج بكل البشاعات وما سر الهروب من الحاضر الصعب؟ ما سر كراهية المتعصبين مهما كان نوعهم لكل من يعارض أسلوبهم؟ كيف أينعت ثقافة الكراهية في القلوب، وغابت المحاسنة والمودة عنها ؟؟

ان ما يمكن التأسي عليه في واقعنا المرير اننا كنا اصحاب ثقافة منفتحة وقيم سمحة من نصرة حق واغاثة ملهوف وغيرها من تقاليد كريمة، لتغدو مجتمعاتنا العريقة اليوم ملوثة بالتعصب والعصابات، وكلما يمضي الزمن تتفاقم الكراهية ويندثر التلاؤم والانسجام والرأفة

والسماحة والجيرة والمحبة والرفقة والتعايش والشراكة والرفادة والسقاية، الخ من قيم عظيمة لم يمتلكها أو يعرفها الاخرون، ولا اعتقد ان مجتمعاتنا قد استوردت ثقافة الكراهية عن غيرها، ولا يظنن ابدا ان خزائن الاحقاد قد وصلتنا من غزو ثقافي او بواسطة شركات العولمة !

انها ثقافة قد اينعت بعد ازمان من الكبت والالام والمعاناة وممارسة الظلم، وركام من القمع والاضطهاد والتهميش والتشويه والتضليل والاكاذيب والشعارات، ولقد راج منذ سنتين سؤال لدى الاميركيين يقول : لماذا يكرهنا العرب والمسلمون كراهية عمياء؟ يتساءلون من دون ان يعرفوا ما الذي عانته هذه الشعوب ومن دون مراجعة الاسباب الحقيقية لتلك الكراهية!.

لقد تحركّت كل المجتمعات لتتخلص من بقاياها الاليمة واوضاعها القديمة، الا مجتمعاتنا التي لم تزل تنتظر الاعتذار دون جدوى، وهي أيضا لا تعرف روح مصالحة ولا تنمية تفكير ولا اسلوب تمدن ولا ضمانات مجتمع ولا حرية رأي ولا حياة مؤسسات، لقد كانت السياسة والدولة والانظمة وعبادة الشخصيات وترديد الشعارات

والترنم بالخطابات ساري المفعول على مدى مئة سنة من دون ان تفقه مجتمعاتنا اسرار تقدم مجتمعات اخرى كانت كسيحة وغدت متطورة بمواردها ومنتجاتها وعلومها وفنونها، مجتمعات لم تعرف الكراهية والاحقاد، مجتمعات تعلمت من تجاربها السياسية والطوباوية والاشتراكية،

مجتمعات تعترف بالاخر ولا تقمعه وتتصالح معه ولا تخافه وتتعامل معه ولا تكّفره، مجتمعات لم تجد نفسها الا خلايا نحل عاملة متعاونة من اجل تحقيق مصالحها ومصالح مستقبل ابنائها، مجتمعات لا تعرف غير العقل سبيلا وقد نجحت في تجسير العلاقات بينها وبين الدول التي وجدت لرعايتها والمجتمعات التي عملت في خدمتها، فالعالم كله اوجد ( الدول ) كي تغدو في خدمة المجتمعات في حين كانت مجتمعاتنا ولم تزل في خدمة كيانات سياسية و (دول ) !!

مائة سنة مّرت ومنذ العام 1908 ومجتمعاتنا في حيرة من امرها لا تعرف ماذا تريد، في حين تفوقت علينا مجتمعات لم تكن تذكر في العام 1908 !! واتمنى ان تجد هذه ( الافكار ) من يطوّرها ويزرعها في عقول جيل جديد، بدل ان تجد من يصفها جلد ذات او مجرد مثاليات، فلا يمكن لأي واقع ضنين ان تنصلح اموره من دون نقد او اصلاح او مكاشفات، ان مجتمعاتنا بأمس الحاجة الى تنمية فكر وتفكير والى نقاء سريرة وتصالح مع النفس والى محبة الاخر ونفي ثقافة الكراهية،

ولا أقول بأن مجتمعاتنا لا نفع بها وليس لها القدرة على محاكاة هذا العصر بالتي هي أحسن، فالأمر معكوسا، اذ انها مجتمعات حيوية وفاعلة ونشيطة ومخصبة ومبدعة، ولكنها اليوم مصابة بجملة أمراض عضال، بل وان عملتها الرديئة أخذت تطرد عملتها الجيدة،

بل وتلاحقها حتى في منافيها كي تقضي عليها، وأنها مجتمعات كانت على امتداد تاريخها منفتحة على العالم كونها مركزية ومطلة على اهم بحار العالم باستثناء جيوب منغلقة، وأصبحنا اليوم مجتمعات منغلقة على اتم صورة من الانغلاق حتى جالياتنا البعيدة لا تعرف كيف تندمج مع غيرها لتتعلم وتخصب نفسها لتبدع وتنقل،

ان ثقافة الكراهية المسيطرة لم تتوالد عن اسباب وعوامل سياسية حسب، بل اعتقد ان جملة اسباب معقّدة قد اينعت هذه ( الثقافة ) التي لا ترى في العالم كله الا نفسها، بل والانكى من كل هذا وذاك انها تتصور نفسها الافضل في هذا الوجود، واعتقد ان سبب كسلها التاريخي هو انغلاقها بفعل ثقافة الكراهية التي غمرت نفسها فيها أولا،

وإيمانها الراسخ بأن كل ما هو اجنبي يعمل ضدها ويتآمر عليها وان العالم كله ـ كما تتخيل ـ لا عمل له الا التخطيط لسحقها وامتصاص خيراتها، ان ثقافة الكراهية لابد ان تزول من العقول والانفس وان يعمل كل الكتاب وكل المثقفين وكل الدعاة والواعظين على استئصالها،

وعلينا ان نتشبّث بكل المعاني الحضارية التي عرفتها مجتمعاتنا منذ مئات السنين، فالكلمة الطيبة صدقة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والابتسامة جواز مرور للمحبة، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وان ليس للإنسان الا ما سعى، الخ ان العالم اليوم بات كل يعتني بمجتمعاته

وان الثقافات بدت متعايشة وغير مضادة لبعضها وان الحياة لم تعد تتصارع بل تتنافس، وان المجتمعات الذكية تسعى للحصول على مكتسبات اكبر ممن هو باق حتى يومنا هذا يعيش الاوهام والشعوذات وقتل الزمن، وان سألته عن تجارب الآخرين، اخذ يشتم ويسب ويزبد معبرا عن كراهية عمياء نحن لسنا بحاجة اليها على امتداد زمن طويل.

www.sayyaraljamil.com

مؤرخ عراقي