«المبادرة العربية» للسلام التي اعتمدتها قمة بيروت عام 2002، وبات من المؤكد أن تعتمدها قمة الرياض، التي تفتتح أعمالها اليوم، كثر اللغط الأميركي ـ الإسرائيلي حولها، في الأيام الأخيرة، وكأن هناك حملة مسبقة ومركّزة، إما لتهميشها؛ وإما لتمهيد الأجواء اللازمة للمطالبة بإدخال تعديلات تنازلية عليها.

وفي الحالتين هي عودة إلى لعبة التدويخ التي تتقنها تل أبيب وتحتضنها واشنطن. فعندما يتحدث العرب عن خيار السلام، يقال لهم إن الكلام لوحده لا يكفي. وعندما يبادرون إلى عرض مشروع سلام شامل، يأتيهم الرد بسيل من التعجيزات مع محاولات حثيثة للتقليل من طرحهم.

وهذا ما يحصل في الوقت الراهن.منذ أن عادت سيرة المبادرة إلى التداول، عشية قمة الرياض، سارعت الحكومة الإسرائيلية إلى البدء بوضع العصي في الدواليب. قالت إن فيها «عناصر إيجابية»؛ لكنها بحاجة إلى «تعديلات» وعند الاستيضاح، تذرّع أولمرت ووزيرة خارجيته بما سمّي ب«شرط» أو مطلب حق العودة للاجئين و بضرورة إزالته.

والمعروف أن المبادرة تحدثت عن «تفاوض الطرفين حول عودة اللاجئين وعدم التوطين في البلدان العربية». «التفاوض» المطروح حرّفته إسرائيل وأظهرته كشرط مسبق لتحجب رفضها ومحاولة تخريبها على المبادرة. والوزيرة رايس غمزت هي الأخرى من زاوية المشروع وأصحابه.

صحيح أن رايس نفت أن تكون قد اقترحت تعديل المبادرة. لكنها أيضاً لم تبد أي قبول ولو متحفظ ـ بانتظار إقرارها في القمة ـ بشأنها. على العكس ألقت باللائمة على الجانب العربي الذي «لم يفعل شيئاً لتسويق المبادرة». ربما كان ذلك صحيحاً.

لكن الصحيح أيضاً أن واشنطن لم تظهر أي استعداد ـ حتى لا نقول تشجيعاً ـ للمبادرة، عندما طرحت في قمة بيروت أو بعدها، وخلال جولاتها المكوكية في المنطقة، خلال الأيام الأخيرة، حرصت الوزيرة، كالعادة وأكثر، على أن تنطلق في مواقفها وتصريحاتها من هاجس تطمين إسرائيل باستمرار، بأن واشنطن لن تغادر سياستها القائمة على توأمة الموقفين الأميركي والإسرائيلي.

وحتى لا يكون هناك أي التباس أكدت مرة أخرى بأنه ليس لديها النية «أبداً في التحكم بالحوار بين إسرائيل والفلسطينيين». الوزيرة رايس تعرف جيداً أن المطلوب هو الضغط على إسرائيل وليس التحكم بالمفاوضات، كما تدرك جيداً ما قاله واختبره مسؤولون أميركيون قبلها، أعربوا بصراحة عن قناعة مبنية على التجربة، ـ مثل زيغنيو بريجنسكي ـ بأن تل أبيب ليست في وارد الإقدام على تسوية مقبولة من غير ضغط، وان واشنطن هي الجهة الوحيدة القادرة على ذلك.

فإذا كانت رايس على قناعة هي والإدارة بحل الدولتين ـ وهذا ما أعربت عنه أول من أمس بقولها إنها ستبقى تعمل حتى آخر يوم لها في الوزارة من أجل حل الدولتين ـ؛ وإذا كانت رايس خير من يدرك بأن القناعة وحدها لا تقدم ولا تؤخر في هذا الخصوص، فإنها مدعوة مع الرئيس بوش ابتداء من نهار غد عندما تعلن القمة احتضانها للمبادرة وتسجيلها رسمياً لدى الأمم المتحدة، إلى التعامل بإيجابية مع هذا التطور. وهو أمر في متناول واشنطن اليوم، كما كان بالأمس.