أثارت الصحف المحلية خلال العامين الأخيرين قضية في غاية الأهمية تتصل بالشأن الإعلامي، وهي قضية المطبوعات التي تصدر وتوزع في الدولة، ومع ذلك لا تخضع لقانون المطبوعات الذي تخضع له المطبوعات الأخرى التي رخّصت لها وزارة الإعلام سابقاً،
وبالتالي تسبب وجود هذه المطبوعات التي اخترقت خصوصية المجتمع، ووقعت في أخطاء تجاوزت بها ثوابت مجتمعنا ومرتكزاته، في الترويج لأفكار مغلوطة عن البلد وأهله، وفي نشر كثير من القضايا التي تتعارض مع أهداف المجتمع، وطالب المجتمع وقتها بوضع حد لهذه التجاوزات من خلال إخضاع هذه المطبوعات لاسيما الصادرة من المناطق الحرة لقانون المطبوعات المعمول به في دولة الإمارات.
ومنذ أيام قرر مجلس الوزراء حصول المناطق الحرة بالدولة على موافقة مكتوبة وصريحة من المجلس الوطني للإعلام قبل إصدار تراخيص إعلامية، متعلقة بأنشطة البث الإذاعي والتلفزيوني، أو إصدار الصحف والمجلات والدوريات والكتب، صدور هذا القرار يأتي في الوقت المناسب لتنظيم فوضى إعلامية
قد تتسبب بها بعض المناطق الحرة التي ربما ترخص لهذه المصادر الإعلامية دون أن تضع لها ضوابط، فتتسبب في فوضى إعلامية تؤثر سلباً على مجتمعنا الذي تكفيه فوضى يتسبب بها أفراد يتجاهلون ثوابت ومرتكزات هذا البلد من خلال الإعلام الذي ربما لا نجد أنه يخدم أهدافاً سامية، أو يؤدي رسالة تجاه المجتمع.
قد يعتقد بعضهم أن قراراً كهذا يعني أن الإمارات في اتجاه نحو تقييد الحريات الإعلامية، لاسيما في مجال المطبوعات، أو قد ينظر بعضهم إلى قرارها بأنه تغريد خارج السرب عندما تضع سلطة الترخيص للأنشطة الإذاعية والتلفزيونية لديها، لكننا نرد على من يعتقد ذلك، أن التنظيم والضبط وفق إطار ومنظومة ثوابت ومرتكزات الدولة لا يعني أن الإمارات ضد حرية التعبير، ولا يعني أنها ترفض استقبال المزيد من المؤسسات الإعلامية في مناطقها الحرة،
لكنها لا ترغب في أن يستخدم البعض حرية الرأي والتعبير كسلطة من الممكن أن تضر بمصلحة أفراد المجتمع، أو تمس مصالح الدولة، فحرية الرأي في أي مكان في العالم لا ينبغي أن تمس مصلحة عامة. كما أن الدولة من خلال قرارها كما فهمنا، تريد ضبط عمل المناطق الحرة بما يتوافق مع نظام عمل مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة، وكلها أمور تصب في مسألة الضبط والنظام حتى لا تفلت الأمور من أيدينا.
الإعلام المكتوب أو المرئي أو المسموع أصبح سلطة، وذا تأثير بالغ على أفراد المجتمعات، ومن المؤسف حقاً أن هذا الإعلام ما ينخر في بنية المجتمع، ويستهدف عقول الشباب ويجعلها هامشية لا تكترث بأي شيء حولها، وهي بالتالي خاوية من فكر يقودها ويقوم سلوكياتها.
وأصبحت الأسر الحريصة على تربية أبنائها في صراع يومي من أجل الحفاظ على أبنائها من سموم تبثها الفضائيات، أو تمتلئ بها الصحف والمطبوعات ومواقع الانترنت، فما بالنا لو رخصنا وأجزنا كل ذلك في أرضنا، هل نلوم أحداً؟ هل نتحمل مسؤولية أبناء آخرين في دول أخرى نتحمل آثار انحرافهم فكريا؟!
قرار مجلس الوزراء جاء في وقته لأنه سيطبق ضوابط المجلس الوطني للإعلام على الكل دون استثناء دون أن يتعارض ذلك مع حرية رأي أو تقدم إعلامي. ويبقى هناك سؤال: إذا أمكننا ضبط مطبوعات وأنشطة المناطق الحرة الإعلامية، فكيف نضبط مجلات محلية، يديرها مواطنون لا ترى منها إلا كل غث يهدم أبناءنا ويبعدهم عن قضاياهم؟ هذا ما سنناقشه غداً.