بانتهاء الشوط الثاني من الانتخابات الرئاسية الموريتانية الذي جرى يوم الأحد الماضي، وتحديد موعد تسليم الرئاسة من الرئيس الحالي إلى خليفته المنتخب في 19 ابريل المقبل، يكون «المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية» قد وفى بتعهداته وأكمل المرحلة الانتقالية وفقا لما تم التوافق عليه وطنيا خلال الأيام التشاورية التي ضمت مختلف القوى السياسية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني في بداية هذه المرحلة أواخر عام 2005.

وبذلك تكون موريتانيا قد نجحت في إرساء قواعد ديمقراطية حقيقية ومارستها بنجاح فاق كل التوقعات وتجاوز الشكوك الكثيرة التي أثيرت حول نوايا المجلس العسكري من ناحية، وحول قدرة الشعب الموريتاني على التعاطي الايجابي المسؤول مع معايير الديمقراطية الحديثة بقدر كبير من النضج والانضباط، من ناحية ثانية.

ومهما قيل عن استفادة الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله من أصوات ونفوذ بعض أنصار الرئيس السابق معاوية ولد الطايع، فان ذلك لا يقلل من أهمية ومستوى الانجاز التاريخي الكبير الذي حققه الموريتانيون، شعبا ومجلسا عسكريا وحكومة انتقالية.

فنهج التشاور الذي بدأ بعد تغيير الثالث من أغسطس 2005 لم يعد بالإمكان إغفاله أو تجاوز آلياته ومحدداته، كما أن التعديلات الدستورية التي وافق عليها الشعب بالإجماع في استفتاء عام لم تعد ملكا إلا لهذا الشعب وحده، وليس في مقدور أي سلطة أو جهة أخرى تغييرها أو التلاعب بنصوصها كما كان يحدث في السابق.

لقد تذوق الشعب طعم الحرية وأثبت أنه جدير بها وكفء لممارستها، وهو بالتأكيد سيكون حريصا على ترسيخها وحمايتها من أي تهديد أو محاولة للعبث بمضامينها أو بما حققه من مكتسبات انتظرها طويلا وبذل من أجلها الكثير.كما أن أولئك الذين شاركوا من قبل في ممارسات العهد السابق أو كانوا جزءا من نظام الحكم حينها، ويريدون الآن العودة لتصحيح المسار خدمة للوطن الذي هو وطن الجميع، ينبغي أن تتاح لهم الفرصة لتحقيق ذلك، أو على الأقل لاختبار مدى جديتهم ومصداقيتهم في تحقيقه.

إن الأهم بالنسبة لموريتانيا، الشعب والوطن، هو أن تكتمل وتترسخ هذه التجربة الموريتانية النادرة عربيا وإفريقيا، بل غير المسبوقة في المنطقة على هذا النحو من الشفافية والتغيير السلمي والنضج الشعبي والالتزام بالمواعيد والتعهدات التي قطعها المجلس العسكري على نفسه وأشرفت الحكومة الانتقالية المنبثقة عنه على تنفيذها بحياد ومسؤولية.

وبما أن أي سباق انتخابي لا بد أن يكون فيه سابق ومسبوق، إلا أن الفوز في هذه الانتخابات هو فوز مشترك لكل الموريتانيين، بقدر ما هو فوز للرئيس المنتخب ولمنافسه الذي نال ثقة جزء كبير من الشعب الموريتاني وساهم بالقدر نفسه في إنجاح هذه التجربة التاريخية والوصول بها إلى بر الأمان المرجو والضروري لمستقبل الشعب وسلامة الوطن.

كل ذلك يضع مسؤوليات جمة وتحديات كبيرة أمام الرئيس الجديد وكذلك أمام البرلمان المنتخب، تتطلب قدرا كبيرا من الحس الوطني والإدراك الكامل لضرورات المرحلة والرغبة الشعبية في تحقيق الإصلاحات الملحة وبناء دولة المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية الحقة.

ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بمشاركة فعالة وإيجابية من قبل المعارضة الدستورية الجديدة التي تتمتع بتمثيل كبير في البرلمان وتتوفر لها الضمانات القانونية للقيام بدور بناء في العمل الوطني واستكمال مسيرته، بنظرة مستقبلية نحو تحقيق الأهداف المنشودة والخروج من إرث الماضي وترسباته السلبية.

ومهما كانت أهمية الأشواط الكبيرة التي أنجزت حتى الآن، إلا أن «المرحلة الانتقالية الحقيقية« هي تلك التي ستبدأ مع استلام الرئيس المنتخب لمهامه الرئاسية، لان المرحلة السابقة كانت مرحلة تأسيسية في الواقع، والأسس التي وضعت خلالها مازالت مرهونة بما ستشهده المرحلة المقبلة من تطورات، سواء على مستوى ممارسة السلطة الحاكمة أو على مدى ونوع العلاقة بينها وبين المعارضة البرلمانية والحزبية.

وواجب الطرفين ومسؤوليتهما الوطنية والتاريخية تفرض عليهما أن يعملا معا وفق رؤية تكاملية، لا تعني بالضرورة التوافق على كل القضايا والسياسات، لكنها حتما تستوجب وحدة الأهداف الوطنية الكبرى التي عبر عنها الشعب الموريتاني بكل أطيافه ومكوناته ويتطلع إلى تحقيقها بكفاءة ومسؤولية.

ولا شك أن الأولوية في هذه المرحلة هي للوحدة الوطنية الشاملة، ثم الإسراع في تحقيق الإصلاح الإداري الذي بدونه تتوقف كل الخطوات الأخرى وتضيع الجهود وتتعطل الانجازات.وفي النهاية، هنيئا للشعب الموريتاني الفائز بامتياز، وهنيئا للرئيس المنتخب بثقة هذا الشعب، مع أمنياتنا له بالتوفيق والسداد لما فيه مصلحة شعبنا الأبي ووطننا الأبي العزيز.