كثير من الكتاب والاقتصاديين تناولوا موضوع الشرق الأوسط من وجهته الاقتصادية. وقد أجمع جميع هؤلاء السادة أن منطقة الشرق الأوسط فيها من عوامل نجاح الاقتصاد أكثر من أي مكان آخر في العالم ولو استغلت هذه العوامل استغلالا جيداً لأصبحت أغنى منطقة في العالم
وهي في ذات الوقت ورغم الغنى بالموارد الأولية والبشرية والطبيعة والجغرافية غير أنها تعتبر من المناطق الفقيرة نسبة إلى ثرواتها ومن الطبيعي أن نشير هنا إلى استثناء بعض الدول وبالتخصيص بعض دول الخليج التي بدأت تخرج من مفهوم الجمود الاقتصادي باتجاه تحرر الاقتصاد واعتناق مذهب الاقتصاد الحر.
وفي عودة إلى الأكثرية من دول الشرق الأوسط الغنية في مواردها، الفقيرة في اقتصادها نجد أن هذه الدول كانت قد اتبعت سياسات اقتصادية قديمة لم تعد تواكب التقدم العالمي في الاقتصاد، فبقيت هذه الدول تراوح مكانها بينما دول العالم أخذت تنمو وتتطور في كافة المجالات.
وكما هو معروف أن الاقتصاد يعتبر عماد الدولة وبه تُعمر البلاد ويعم الأمن والسلام وتنتعش المجالات الأخرى مما يضحى معها دولة متطورة في كل المقاييس، في حين نجد تلك الدول التي اعتنقت سياسات قديمة أو لها سياسات غير واضحة وغير مستقرة أو اعتنقت مذهب الاقتصاد الشامل جعلت منها دولا متأخرة اقتصادياً
مما أدى بها إلى خلخلة أوضاعها وأثر على استقرارها وأمنها وجعل شعوبها شعوبا فقيرة مما دفعها إلى الهجرة بحثاً عن الرزق، وهذا بحد ذاته مأساة كبيرة، وليس هذا فحسب بل إن رؤوس الأموال المحلية في تلك الدول أخذت بالهجرة أيضاً وهاجرت معها العقول العلمية وهكذا تلبس مثل تلك الدول ثوب التراجع والتخلف.
وهذا ما يجعلنا نتوقف عند نقطة مهمة وهي هجرة رؤوس الأموال المحلية لتستقر في دول أخرى وكذلك هجرة العقول والأيدي العاملة وخصوصاً الماهرة منها مما يصيب الدولة بخلل كبير ويجب أن نتأمل في الموضوع ونفكر فيه جلياً، ومن استقراء الأوضاع في المنطقة عامة وبعيداً عن موضوع السياسة،
فإننا نجد أن هناك خللا في تلك الدول ليس فقط في اتباعها أساليب خاطئة في تطبيق سياساتها الاقتصادية وإنما حتى في طريقة تعاملها مع رؤوس الأموال المحلية والمستثمرين والأيدي الفنية الماهرة وهذا السوء في التصرف متأت من خلال عدم تحديث البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية
من حيث تحديث القوانين التي لها علاقة وثيقة بموضوع التطبيق الصحيح لسياسة الاقتصاد مع تيسير الاستثمار في الدولة وفتح المجال أمامها وتذليل كافة المصاعب من أجل احتواء رؤوس الأموال المحلية والأجنبية والاستفادة منها من أجل النمو والتطور الاقتصادي، والذي سينعكس إيجاباً على كافة مناحي الحياة في الدولة.
وبالمقابل نجد هناك دولا انتفضت على واقعها، ووضعت لها أسسا اقتصادية قوية بدءا من إنشاء بنية تحتية قوية مع الاهتمام بتشريع القوانين التي من شأنها أن تساعد المستثمر في استثماراته والأهم من ذلك أن يكون المستثمر سواء المحلي أو الأجنبي مطمئنا إلى استثماراته في تلك الدولة وهذا الاطمئنان والأمان يتأتى من استقرار القوانين والتي يجب أن تكون شفافة وواضحة وغير مثقلة بأحكام والتزامات.
كما أن طبيعة الدولة وسياسات حكومتها السلسة والسهلة في التعامل مع الاستثمار وكذلك اطمئنان المستثمر إلى أمنه وسلامته وسلامة استثماراته من خلال تعامله مع دوائر حكومية والتي هي بعيده كل البعد عن التطرف والنظرة البوليسية.
وقد يكون هذا النموذج الذي يحتذى به موجودا في دولة الإمارات العربية المتحدة وهو نموذج مطبق على أرض الواقع وهناك نظريات اقتصادية عالمية طبقت في الدولة ونجحت في كافة الاختبارات العالمية لوجود البنية التحتية الصلبة والقوية مع وجود التخطيط السليم والقيادة الواعية والإدارة المتعلمة
وهذه الدولة الفتية أخذت تستقبل كبريات الشركات العالمية بغرض الاستثمار فيها إضافة إلى استثمارات رؤوس الأموال المحلية والأجنبية بل أن أكبر الاستثمارات في العالم بدأت تنتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وتستقر فيها وتبعها توافد الأيدي العاملة الماهرة والفنية من دولها إلى هذه الدولة، والتي تمثل أداة رئيسية من أدوات الاستثمار والبناء.
لذا يكون على باقي دول الشرق الأوسط والتي تمتلك مقومات نجاح الاقتصاد أكثر وأكبر من دولة الإمارات العربية أن تتوقف على ما هي عليه الآن والبدء فوراً بوضع دراسات واعتناق نظريات مجربة وناجحة واستغلال الموارد البشرية والأولية والثروات بشكل صحيح تحت قيادة اقتصادية وإدارة علمية ذات خبرة مع إلغاء التشريعات البالية
واعتماد تشريعات حديثة شفافة تساعد على جذب الاستثمار إليها مع الأخذ بنظرية الاقتصاد الحر وتطوير أداء الدوائر الحكومية من حيث التعامل مع القطاع الخاص والمستثمرين والانتقال من الأسلوب البوليسي إلى أسلوب شفاف في التعامل ووضع الحلول المناسبة وذلك لخلق جو من الاطمئنان والأمان للمستثمر. وأن نجاح تجربة مستثمر واحد من شأنه أن يجذب مستثمرين آخرين أو أن ينشئ قاعدة أخرى من المستثمرين.
ومن هذا المنطلق ستجد تلك الدول نفسها أنها في وضع أفضل بكثير مما هي عليه الآن وفي مختلف النواحي حيث أن التطور والنمو الاقتصادي له تأثير فعال ومؤثر على جوانب الدولة والمجتمع ومنها التطور الاجتماعي والسياسي والأمني وبالمحصلة سيكون النفع نحو رفعة الدولة وشعبها.
ويجب التنبيه إلى مسألة مهمة وهي أن قوة الدولة تكمن في قوتها الاقتصادية وأن مكانة الدولة وثقلها السياسي إنما يقاس بثقلها الاقتصادي وهذا ما أثبتته وقائع التطور العالمي ودليلنا على ذلك أن الدولة القوية عسكرياً ولكنها ضعيفة اقتصادياً سيكون مصيرها الفشل ولو بعد حين.
ومعنى ذلك أن النظرية العالمية في قوة الدولة وضعفها انتقلت من النظرة إلى قوة الدولة بالقياس إلى قوتها العسكرية إلى النظرة الحديثة وهي قوة الدولة مستمدة من قوتها الاقتصادية، ولدينا مثال ذلك اليابان وألمانيا واللتان أصبحتا قوتين عالميتين اقتصادياً لا يستهان بهما. فيكون معها عصر القوة العسكرية قد ولى والحاضر هو القوة الاقتصادية ومن كان يبني جيشاً ويتسلح عليه أن يبني قوته الاقتصادية قبل ذلك.
جامعة الشارقة
rashid.shabib@binshabib.ae