يشير علماء النفس إلى أنّ الإنسان قد يقع تحت تأثير عوامل خارجية كثيرة تدفعه إلى أداء مهمة ما، وأنّ أثر هذه العوامل الخارجية سيؤدي في النهاية إلى خفض الدافعية الشخصية التي قد تجعله يقوم بالمهمة من منطلقات ذاتية كالاستمتاع بها أو الرغبة في أدائها.

وهذا ما يطلق عليه في علم النفس مصطلح «المبالغة في التبرير»، وهو مصطلح يفيد بأن الإنسان قد يقع تحت تأثير عوامل خارجية تبرر له القيام بمهمات ما، كان في السابق يقوم بها من منطلق دوافع شخصية ذاتية. وكثيراً ما يكون لهذه العوامل الخارجية تأثير سلبي على موقف الإنسان من المهمة التي يؤديها، وعلى مشاعره تجاه نفسه ومواقفه العامة في الحياة.

وقد مثلت التجربة التي أجراها ثلاثة من العلماء في عام 1976 دليلاً مادياً يعول عليه في التأكيد على الأثر السلبي «للمبالغة في التبرير» في سلوك الأفراد، فقد اشترك العلماء مع مجموعة من الأطفال في حل ألعاب حسابية مختلفة، وقد أحب الأطفال الألعاب، وقضوا وقتاً ممتعاً في حلها.

في المرحلة الثانية وضع العلماء جوائز نقدية لمن يتمكن من حل اللغز، فأظهر الأطفال الحماسة نفسها، واستمروا في حل الألغاز، وحصد الجوائز. في المرحلة الثالثة ألغى العلماء الجوائز، فبدأ الأطفال يظهرون شيئاً من عدم الحماس، حتى توقفوا في النهاية عن اللعب.

يبين العلماء أنّ الجوائز النقدية في التجربة مثلت حافزاً خارجياً للأطفال يدفعهم إلى الاستمرار في حل الألغاز، بعد أن كانوا يحلونها بدافع الاستمتاع والرغبة في الاكتشاف. وهكذا أصبح الأطفال واقعين تحت تأثير حافزيْن خارجي وداخلي يبرران لهما حل الألغاز، وهذا ما يسمى «بالمبالغة في التبرير». وتكمن المشكلة في أنّ الحافز الخارجي يحل ـ مع الوقت ـ محل الحافز الداخلي، وأنه إذا توقف في لحظة ما فإن الحافز الداخلي نادراً ما يعود للتأثير في الشخص.

كما أنّ استمرار الحافز الخارجي قد يفقد الشخص الشعور بالمتعة في العمل، ويضعف إحساسه بالرضا عن الذات، لأن الإنسان ـ عادة ـ يقوم بملاحظة سلوكه، ويفكر في الدوافع التي تدفعه إلى القيام بهذا العمل أو ذاك، ويتأمل بصمت كيف تغيرت مواقفه، أو كيف أصبح واقعاً تحت تأثير ضغوط خارجية، أو منقاداً لعوامل مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي كانت تحثه على العمل، والتي كانت تعطيه القوة والطاقة للاستمرار في بذل الجهد.

فينظر المرء إلى أفعاله على أنها مسيطر عليها من الخارج، وليست نابعة من الداخل. وهذا سبب قوي لشعوره بعدم الرضا أو الضيق أو الاكتئاب. وقد استغلت كثير من الشركات أو المؤسسات مبدأ «المبالغة في التبرير» لكسب عملائها، وضمان استمرارهم في التعامل معها، حتى في حال عدم رضاهم الكامل عن الخدمات التي تقدمها؛ فكثير من شركات الطيران تقدم ما يسمى ببطاقة جمع الأميال،

وكثير من المحلات تقدم بطاقة جمع النقاط، وغيرها من الأنظمة التي تقوم في الأصل على توظيف هذا المبدأ النفسي في التعامل مع العملاء، بحيث يستمر العميل في التعامل مع الشركة بسبب تأثير الحوافز الخارجية التي تقدمها له، وإن كانت هذه الحوافز أحياناً لا تقارن بالجوانب السلبية التي قد يواجهها العميل في تعامله مع الشركة.

وإذا تأملنا أحوال هؤلاء العملاء فإننا سنجدهم يتذمرون من خدمات هذه الشركة، وقد يبدون عدم رضاهم عنها، ولكنهم مع ذلك يستمرون في التعامل معها بسبب بطاقة الحوافز التي تضغط عليهم وتدفعهم إلى ذلك دفعاً. ونحن إذا تأملنا حياتنا اليومية فإننا سنجد أننا نطبق مبدأ «المبالغة في التبرير» في كثير من المواقف مع أبنائنا وتلاميذنا وموظفينا.

والحقيقة أنّ رصد الجوائز أو الحوافز على اختلاف قيمتها المعنوية والمادية، أو وضع مبررات مختلفة للتنافس على تحسين الأداء يعد من الوسائل المؤثرة في تحسين العمل، ورفع مستوى الأداء. ويكاد لا يوجد مجتمع، سواء كان مجتمعاً أسرياً، أم مدرسياً، أم وظيفياً، إلا وهو يتخذ من الحوافز والجوائز سبباً مهماً من أسباب الارتقاء ببيئة العمل، ودفع الناس إلى تحسين أدائهم، والتنافس فيما بينهم للوصول إلى مستوى الاستحقاق الجدير بالحصول على تلك الجوائز.

ولكننا أحياناً قد نغفل عن الأثر السلبي لمثل هذه الإجراءات، خاصة مع الصغار من أبنائنا الذين نود مخلصين أن ينشأوا على مبادئ ثابتة تستمر معهم طيلة حياتهم بغض النظر عن تغير الظروف والمواقف والبيئات، مبادئ من مثل تقديس العمل، والتفاني، الإخلاص، والإتقان،

والرغبة في التعلم، والمبادرة، والإيجابية، والصدق، وغيرها من الصفات أو القيم التي نعرف جميعاً ما لها من تأثير عميق في تربية الأطفال، وتنشئتهم تنشئة صالحة مؤثرة، وبناء شخصياتهم بناءً قوياً متيناً، بحيث يكونون في المستقبل أهلاً للثقة، ومصدراً من مصادر الفخر والاعتزاز.

وقد يبدو أنّ التوصل إلى نقطة التوازن في استخدام المحفزات الخارجية صعب، بحيث يستسلم معظمنا، وينقاد إلى استخدام هذا النظام في معظم تعاملاتنا مع الآخرين، لأننا نرى آثاره الإيجابية سريعة التحقق، بادية للعيان، ملموسة، نستطيع قياسها.

ولكنّ هذا لا يعفينا من الاجتهاد في استخدام هذا النظام استخداماً فيه الكثير من الحكمة وبعد النظر، فنحن إذا كنا نرى نتائجه الإيجابية رأي العين فإننا عن نتائجه السلبية التي تعمل في الداخل غافلون. وأسوق هنا مثالاً حكته لي إحدى صديقاتي عن أم شابة متعلمة، ومثقفة طلبت من ابنتها التي لا تتجاوز العاشرة من العمر أن تبقى مع أخيها الصغير إلى حين عودتها من الخارج بسبب أمر طارئ، فوافقت البنت،

ولكنها قالت لأمها: كم ستعطيني على ذلك؟ قالت لي صديقتي: كنت أظن أنّ الصغيرة تمزح، ولكني فوجئت بالأم تقول: عشرة دراهم. والبنت تقول: لا، أريد عشرين درهماً. قد يبدو هذا المثال فاقعاً جداً، وقد لا تصل الأمور بنا إلى هذا الحد الذي لا يقاس عليه، ولكنه مع ذلك، موجود، ونحن نلجأ إليه كثيراً.

والذي أود أن أشير إليه هو أننا نحتاج في كثير مما اعتدنا عليه من أمور إلى أن نتأمل أنفسنا وحياتنا، وما نأتيه من أعمال، فقد تغيب عنا جوانب مهمة، وقد لا نفطن إلى تأثير بعض ما نؤديه من أعمال يومية روتينية، أصبحت بحكم العادة مما نظن أنه لا يستحق أن نقف عنده طويلاً.

جامعة الإمارات