في مؤتمراتها الصحافية تحرص كوندوليزا رايس على استخدام لغة «الشفرة». مع ذلك فإنها شفرة مفضوحة. فلن تحتاج إلى مجهود ذهني لاكتشاف المعنى المستتر إذا أخذت في الاعتبار أن مبادئ السياسة الأميركية هي مبادئ السياسة الإسرائيلية.في مصر، أولى محطاتها في جولتها الحالية، قالت رايس: «إننا نعتقد أنه في هذه المرحلة التي نمر بها الآن ورغم الصعوبات فإن هناك فرصة ماثلة أمامنا للدفع باتجاه حل على أساس دولتين».
وإذا كانت وزيرة الخارجية الأميركية تشير إلى أن الولايات المتحدة تؤيد إقامة دولة فلسطينية فإن إيهود أولمرت يقول أيضا ذلك، وعلنا، بينما في كلتا الحالتين الأميركية والإسرائيلية فإن المقصود هو، أولاً دولة شكلية خاضعة عمليا للسيادة الإسرائيلية، فهي دولة لا سيطرة لها على حدودها البرية، ولا على مجالها الجوي ولا سيادة لها على مصادر المياه داخل أرضها، ثم أنها لن تقام على أساس حدود عام 1967.
فأكثر من نصف الأرض الفلسطينية المحتلة منذ ذلك الحين في الضفة الغربية تقوم عليها مستوطنات يهودية. والمشروع الإسرائيلي على هذا النحو دعمته واشنطن رسميا بموجب «رسالة ضمان» تسلمها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شارون من الرئيس الأميركي بوش».
ولاحقا وفي سياق جولتها تحدثت رايس عن «المبادرة العربية» وهي كما نعلم مشروع متكامل ينص على اعتراف عربي كامل بإسرائيل مقابل جلائها عن كافة الأراضي العربية المحتلة، ونعلم أيضا أنه بالرغم من أن المشروع بعنصريه الأساسيين هو صفقة واحدة لا تتجزأ ـ أي شيئا مقابل شيء ـ فإن إسرائيل عمدت إلى انتقاء عنصر واحد فقط.. بمعنى مطالبة الدول العربية بالاعتراف مسبقا بالدولة الإسرائيلية دون مقابل.. ثم بعد ذلك تبدأ «مفاوضات».
رايس تبنت هذا الموقف الإسرائيلي بلغة الشفرة، فعوضا عن استخدام كلمة «اعتراف» ـ أي الاعتراف العربي المسبق بإسرائيل ـ فإنها استخدمت كلمة «تصالح» ـ أي مطالبة الدول العربية بالتصالح مع إسرائيل دون الحصول في المقابل على التزام اسرائيلي بتصفية الاحتلال.
وتمضي رايس في استخدام الشفرة اللفظية.. فتقول «ستكون هناك عملية للتوصل إلى أن تصبح المبادرة العربية مبادرة فعلية، وبعبارة أخرى إلى محادثات وفق أطر محددة بين الأطراف».وأضافت: «لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذه المرحلة»، وباللغة البسيطة تقول الوزيرة الأميركية إن المبادرة العربية بصورتها الحالية مرفوضة من جانب الولايات المتحدة، ولا تكون «فعلية»
أي مقبولة إلا إذا عدلت، وهذا هو الموقف الإسرائيلي. فالقيادة الإسرائيلية ترفض ما نصت عليه المبادرة من عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم في إسرائيل أو تعويضهم مطالبة بحذف هذا النص، وحذف النص أو إبقاؤه يتطلب بالطبع عملية أخذ ورد بين الولايات المتحدة والدول العربية.
وحتى إذا وافق الجانب العربي على حذف هذا النص فإن الثنائي الإسرائيلي الأميركي لن يقبل عقد تفاوض على المبادرة العربية إلا «وفق أطر محددة». والأطر المحددة هي شروط ثلاثة يجب أن تلبيها الحكومة الفلسطينية: الاعتراف بإسرائيل والاعتراف بأوسلو ونبذ المقاومة.هكذا تستهزئ بنا رايس عبر جولتها وإلى أن يحين موعد جولة تالية للمزيد من الاستهزاء.