غدا تلتئم القمة العربية التاسعة عشرة في الرياض حيث تستضيفها المملكة العربية السعودية للمرة الاولى، وهذه احدى النقاط شديدة الاهمية في مسار مؤسسة القمة العربية، وبالطبع وكعادتها تبادر السلطنة الى المشاركة بوفد رفيع المستوى يدل على اهتمام حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بدعم التضامن العربي والانتصار الدؤوب لقضايانا المصيرية التي تهم القطاعات العريضة من الأمة العربية.

يضاف الى هذا الاهتمام العماني، حرص كبير من جانب العاهل السعودي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على جعل هذه القمة ذات أثر تاريخي في مسار العمل العربي المشترك ، وقد حقق بالفعل مبادئ وبدايات هذا النجاح المؤكد من خلال الترتيب الناجح لمؤتمر مكة الذي تمخض عن الاتفاق الشهير الذي التأمت على نتائجه لحمة المجتمع الفلسطيني وبخاصة فتح وحماس عقب اسابيع وشهور دامية دقوا خلالها بينهم عطر منشم وكادت حرب أهلية شعواء ان تعركهم عرك الرحى بثغالها.

لكن في مثل هذه الحالات الحرجة تتبدى حكمة الحكماء ورجاحة العقلاء وتضحيات النجباء، ليس على مستوى مشكلات الساحة الداخلية الفلسطينية وحدها وانما خططت المملكة العربية السعودية ان تجابه كافة التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تجابه الأمة العربية بكاملها، وتعاملت القيادة السعودية في هذه الملفات مع قوى كبرى ذات مصالح ضاغطة ومع ذلك جاءت المعاملة السعودية مع هذه القوى من منطلق الند للند، فما دامت القوة العظمى تتوفر لديها القناعات بانها بحاجة الى مساندة الشركاء فإن هؤلاء الشركاء ينبغي ان يتعاملوا مع هذه القوة من منطلق حاجتها هي للمساعدة وليس على أساس الإملاءات المخادعة أو التضليلية التي تغمط الشركاء حقهم وقدرهم على المسرح الدولي.

وقد جاءت بوادر نجاح جديد لقمة الرياض العربية من خلال اصرار المجلس الوزاري العربي الذي التأم امس للاعداد لجدول أعمال القمة على رفض أي تعديل على المبادرة العربية للسلام التي تم إقرارها في مؤتمر القمة العربية ببيروت عام 2002.

والحقيقة انه قد ساد مناخ من القلق في أوساط الرأي العام العربي حين أصرت اسرائيل على تسمية المبادرة العربية هذه باسم المبادرة السعودية حيث انها كانت سعودية قبل ان تقرها مؤسسة القمة العربية لتتخذ الطابع الأشمل والأقوى لكونها نالت دعم وتأييد كافة اعضاء جامعة الدول العربية، ليكتسب الطرح التفاوضي العربي زخما استعصى كما اتضح من موقف المؤتمر الوزاري التحضيري في الرياض امس على محاولات اسرائيل لتعديل المبادرة العربية على نحو يتلاءم ومطامع اسرائيل، التي تعتبر ان نجاحها الحقيقي مرهون بكل تنازل تفوز به في منعطف تاريخي بعينه سواء بالقوة المسلحة .

كما حدث في حروب 48 و56 و67 أو بالضغوط السياسية والدبلوماسية كما حدث في اعقاب حرب 1973 واتفاقات السلام والتفاهمات التي اعطت اسرائيل حق الوجود وحق التفاعل الاقليمي مع دول الجوار العربي دون ان تقوم هي بأي التزامات تجاه العملية السلمية ومازالت تسعى جادة لقبض ثمن عدوانها المستمر على الاراضي والشعوب العربية لانتزاع تنازلات في الارض والمقدسات والحقوق التاريخية الثابتة بموجب قرارات دولية غير قابلة للتصرف، فاسرائيل تطلب التنازل عن جزء من الجولان للجلاء عنه والتنازل عن اراضي المستعمرات لتقوم الدولة الفلسطينية والتنازل عن ملف عودة اللاجئين للبدء في مفاوضات الحل النهائي، وتطلب كذلك التطبيع مع العرب قبل انتظار السلام وهكذا.

بوادر الموقف القوي لقمة الرياض والتمسك بالمبادرة العربية للسلام قرت به العيون وهدأت به ثورة النفوس وهدأت المشاعر، وبقى ان تخرج توصيات القمة يوم الخميس المقبل بمزيد من معالم النصر للذات العربية.