اليوم يبلغ عمر السّوق الأوروبية المشتركة، التي مثّلت الأساس الصّلب للإتحاد الحالي، 50 عاما. وفي مثل هذه الأيام من نفس موعد انطلاق الأوروبيين (الغرب) نحو فضاء أرحب ومستقبل أكثر تلاحما وتناسقا بين دوله، أطلقت الدّول العربية آنذاك من خلال الجامعة العربية فكرة السّوق العربيّة المشتركة.

اليوم ونحن نرصد التجمّعين، العربي والأوروبي، تتملّكنا غصّة تجاه ما آلت إليه أحلامنا، وما آلت إليه قراراتهم.في سنة 1958، كان الحلم العربي مشروعا، في حين كان القرار الأوروبي حذرا ومشوبا بالخطر.

بعد خمسين عاما، ها أنّ الأوروبيين الذين لا تجمعهم لا لغة ولا تاريخ ولا سلم ولا تعايش بين شعوبهم ودولهم، يلجون القرن الحادي والعشرين وهم أكثر تماسكا وأكثر شراكة، حيث بنى الأوروبيون اتحادهم حجرا حجرا، من «اتفاقية للفحم والصلب» التي شملت ستّة دول إلى إتّحاد يضمّ اليوم 25 دولة.

أمّا في مشهدنا العربي، فقد كان الحلم يرنو إلى تقليص عدد الدّول العربية، لتصبح واحدة، عبر إنشاء سوق مشتركة بين العرب من المحيطة إلى الخليج، يكون فيها الإنسان العربي متحررا من كل أشكال الهيمنة، وتكون الثروات العربية الهائلة محرّرة أيضا من كل أصناف الاستغلال الأجنبي.

لكن الذي حصل، هو العكس تماما. فقد دفن إعلان السوق العربية المشتركة لسنة 1958 إلى غير رجعة، ليحلّ محلّ هذا الخطاب التوحيدي، خطاب تجزئة والاستعانة على الشقيق بالغريب.

يحقّ للأوروبيين اليوم، أن ينشدوا مزيدا من التقدّم والنجاح، فقد توصّلت دولهم إلى ردم الهوّة التي أفرزتها الحروب والتناحر فيما بينها، حين وضعت مصلحة الإنسان الأوروبي فوق كلّ اعتبار. فيما تسمّرنا نحن العرب في مكان واحد، مكان تسوسه حرب البسوس تارة، وضياع الإنسان بين الطّموح الضائع والأحلام المبتورة طورا.

إنّ نجاح أوروبا في ما توصّلت إليه اليوم، إنّما يعود إلى أمور ثلاثة أنجزوها حيث تغافلنا عنها نحن العرب : أوّلا : علويّة حقّ الإنسان في البناء والمشاركة والتشييد.

ثانيا : علويّة المؤسّسة وأهميّة التخطيط سواء للحاضر أو للمستقبل.ثالثا : علويّة العقلانيّة في كل المجالات من التعليم إلى السياسة مرورا بالحريات العامّة، وذلك في تناول الملفّات المشار إليها في الأمور الثلاثة.لقد نجحوا حيث أخفقنا، ولكنّنا لم نستوعب الدّرس جيّدا، فمازال فينا من يعيب زمانا والعيب فينا.