حديثان يستحوذان اليوم على أحاديث الناس وهمومهم وهواجسهم، الناس العقلاء، الوطنيون حقاً، والحريصون صدقاً، والمحترقون بانتمائهم الصريح والحقيقي للإمارات، حديث الخلل البين في التركيبة السكانية بكل ما يستدعيه من تأثيرات خطيرة على الثقافة والهوية الوطنية الإماراتية، والأمن الوطني، أما الحديث الثاني فهو مستقبل الثقافة والهوية والانتماء في ظل معطيات: الخلل السكاني، ثقافة السوق الحر، تدفق العمالة اللامحدود واللامقنن، العولمة بكل شروطها واستحقاقاتها، هذان الحديثان المتلازمان يطرحان السؤال الأخطر: إلى أين نحن ذاهبون بكل هذه التركة التي تراكمت في هذا السياق خلال الثلاثة عقود الماضيات؟ هل قررنا فعلاً أن نكون مجتمعاً بلا ملامح؟
لنحاول أن نناقش الأمر، ولكن بعيداً عن العقلية التي تجعل القبول بالأمر الواقع هو الحل الأمثل، فهذا ليس حلاً وليس الأمثل بطبيعة الحال، والقول انه لم يعد هناك ما يمكن فعله، وان الخرق قد اتسع على الراقع، كلام مرفوض، نعم هناك معضلة سكانية نحن نعترف بذلك.
وقد بات حلها صعباً قياساً بإمكانية حلها منذ عشرة أو عشرين عاماً، لكن الأرض إذا ضاقت يظل الأفق مفتوحاً، ويظل للقرار السياسي سطوته، ولمواقف المثقفين تأثيراتها الحاسمة، قد لا نستطيع ان نفتح الأبواب ونطرد من نشاء ونحن لا نريد ولا نطالب بهكذا حلول فقد جربنا ذات يوم وفشلنا، لكننا نستطيع كأضعف الإيمان ان نواجه ذوباننا وسط الجموع الكثيرة بالحفاظ على هويتنا الوطنية!
ان الإمارات دولة عربية صرفة، وكل من سكنها من قبائل هي قبائل عربية هاجرت منذ أزمنة سحيقة من اليمن ووسط الجزيرة العربية، وهي تقع في نطاق جغرافي عربي تتأثر به وتؤثر فيه وعليه، فإذا اختلت الجغرافيا البشرية والثقافية واللغوية سينعكس ذلك حتماً على من حولنا، كل محيطنا متمسك بعروبته وهويته، وليس لدى أي دولة من دول المحيط هذه النزعة التي نلمحها نحو إلغاء العربية وإهمالها لصالح اللغة الانجليزية، مع أنه لا أحد يعارض تعلم أي لغة أجنبية، فتلك مهارات يحبذ إجادتها لاحتياجات الوظيفة وسوق العمل وجوانب الحياة المختلفة.
لقد طغى التغريب علينا، رغم أننا دولة عربية، لغتها الرسمية هي العربية كما هو وارد في الدستور، فكيف نتحدث عن انتماء ووطن نحبه ويحمينا، وأجيال منتمية وملتصقة بهذا الوطن ونهمل لغته؟
لقد أسسنا جمعية لحماية اللغة العربية في بلد عربي وكأننا نعترف بأننا ذاهبون نحو مستقبل بلا لغة تخصنا وننتمي إليها، واليوم يطالب البعض بالتعريب وكأننا خارجون من استعمار طويل كما فعلت الجزائر بعد استقلالها.
هويتنا هي عروبتنا، مستقبلنا هو هويتنا، وإن لم نحفظها ونعمل المستحيل للإبقاء عليها فلا مستقبل لهويتنا، وحتى تماسك المجتمع بمفهومه العلمي المتعارف عليه سيصبح أمراً مشكوكاً فيه.