في زمن مضى وللتسلية كان الأوروبيون ينتظرون بفارغ الصبر حلول الأول من أبريل ليرفهوا عن أنفسهم بكذبة يخططون لها من قبل حتى يصدقها الجميع، وغالباً ما تكون عبارة عن مزحة أو نكتة تتداول بين الأصدقاء أو موقف أو رأي سياسي ينشر عبر وسائل الإعلام في أول اليوم ويتم تكذيبه بعد ذلك.
وكانت هذه الكذبة تنطلي على فئة كبيرة في المجتمع وتقضي يومها في التذمر في عواقبها أو في التفاؤل بمزاياها.
وهكذا جرت العادة كل عام، حتى انتشرت هذه البدعة في جميع أنحاء العالم واستخدمت لنفس الغرض وهو التسلية.
لكن في زمننا هذا لم يعد لكذبة أبريل طعم ولا لون، لأنه زمن باطنه الكذب المعولم من أجل المصلحة، وظاهره فرضه وتصديقه ولو بالقوة، لأن الصدق انقرض ولم يعد له مكان ولا موقع، خاصة بالنسبة للحكومات والمسؤولين في أغلب الدول الذين اتخذوا الكذب شعاراً لهم ونظموا ممارسته وقسموها بين مجموعات، مجموعة مختصة في تأليف الكذب، ومجموعة مختصة في تلميعه وتقديمه بأسلوب مقنع، أما المجموعة الأكبر والأخطر فهي التي تصدقه وهي الأغلبية مع الأسف.
ومؤخراً طفح كيل هؤلاء والمسؤولين في كذبة ابريل، فهم يجتمعون ويتعبون طوال أيام السنة من أجل الكذب على الشعوب وخداعها، وتأتي كذبة ابريل وتأخذ منهم الجو.
كما يقولون لذا قرروا القضاء عليها فالحكم والحل والربط بأيديهم ولا منافس لهم، ومتطلبات العصر تستوجب عليهم تغيير كذبة أبريل لأنها اختراع أكل عليه الدهر وشرب، وعمرها قصير، يوم واحد فقط، لذا عليهم تبديلها بكذبة دائمة تليق بمكانتهم وبالتطوير الذي يشهده العالم في عهدهم، والأهم من ذلك أن يصدقها الناس، فوقع الاختيار على كذبة اجتمعت عليها آراء كل المسؤولين ألا وهي كذبة الديمقراطية التي يتغنون ويتباهون بها ويدعون أنهم يطبقونها ومستعدون للحرب على من يعارضها، وهذا ليس بغريب عنهم فالمسؤولون السياسيون عادة يحاربون من أجل أي شيء وكل شيء.
فهم يحاربون من أجل النفوذ ومن أجل السلطة ومن أجل المال ومن أجل السيطرة، فلم لا يحاربون من أجل كذبة تقتضيها مصالحهم العليا؟ حتى لو أخذت في طريقها آلافاً من الأبرياء قتلوا، أو اعتقلوا أو دُمرت أوطانهم ولا ذنب لهم سوى أنهم في عالم تسيطر عليه مجموعة أبدعت في الكذب وببراعة حتى صدقها الناس خاصة البسطاء منهم وما أكثرهم، ولم تكتف بذلك بل تفننت في تسخير كل الإمكانيات والوسائل التكنولوجية المتطورة لإيصال أكاذيبها وبأسلوب ذكي وعلى رأسها وسائل الإعلام المختلفة التي تسابقت في إقناع الناس بتلك الأكاذيب.
وبشتى الطرق وكأننا نتابع أفلاماً سينمائية كنا نتمنى أن تنتهي نهاية سعيدة، لكن مع الأسف فالواقع أنها من إخراج وإنتاج مجموعة لا تريد إنهاء حلقاته المأساوية لا لشيء إلا لأن ذلك يتناقض مع مصالحها أو يكسر هيبتها التي اكتسبتها بإنصاف الظالم ودعمه والكذب على صاحب الحق المظلوم وقهره، وسلب ثرواته.
إن أكبر كذبة شهدها القرن الواحد والعشرون حتى الآن هي امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي كانت سبباً في الحرب عليه، وأقبح كذبة هي نشر الديمقراطية فيه وتحريره من حكم ديكتاتوري، وكانت سبباً في احتلال أرضه، وقتل شبابه، وتشريد نسائه وأطفاله، ومعاناة شيوخه، وتهجير علمائه، والقضاء على مستقبله بأكمله.
وما أكذبها تلك الديمقراطية التي تتغنى بها الدول. وما أغلاها تلك الديمقراطية التي يعيشها الشعب العراقي آمناً بعد أربع سنوات على احتلاله فهو الآن يعيش بين نارين، نار حرب مدمرة شنتها أميركا وحلفاؤها عليه، ونار حرب طائفية شنها أبناؤه على بعضهم البعض، لذلك تستحق كذبة الديمقراطية أن تسحب البساط من كذبة أبريل بجدارة واستحقاق، فكذبة أبريل تافهة لن يذكر التاريخ شيئاً لها سوى تسلية الناس وإلهائهم.
أما كذبة الديمقراطية فلقد حصدت إلى الآن أرواح حوالي 700 ألف مواطن عراقي وآلافا من الجنود الأميركيين وملايين من الجرحى واللاجئين.
من الذكاء أن لا نبحث يوم الأحد القادم عن كذبة، ترفه عنا ونتوهم اننا نعيش في عالم مثالي، حتى لا نجد أنفسنا متهمين بمخالفة أوامر مقاطعة كذبة أبريل التي قررها أسيادنا، ومن الجهل أن نتحرى صدقاً وسط عالم يكذب.
كاتب إماراتي
moc.liamtoh@456natlus