سلاح مرعب جديد بدأ يتسلل إلى دائرة الصراع الدموي الدائر في العراق. وكأن فاتورة النزف المنهك التي دفعها العراقيون بالأسلحة التقليدية، لا تكفي؛ وبالتالي لابد من إدخال وسائل أشد فتكاً وتدميراً، ووقع الاختيار على مادة الكلور الكيماوية، التي بدأت تستخدم في عمليات تفجير لتحقيق أكبر قدر من القتل الجماعي.

قبل حوالي أسبوع ذكرت التقارير أنه حصل تفجير ثلاثة صهاريج تنقل غاز الكلور، وسط تجمعات مدنية غفيرة، أدى إلى سقوط قتلى وإصابة 350 شخصاً بأعراض تسمم، تكررت المحاولة قبل أيام قليلة، وبكميات هائلة، كان يمكن أن تتسبب بمجزرة مروعة لو لم يتم إحباط العملية قبل انفجار الشاحنة، التي كانت تحمل خمسة آلاف غالون من مادة الكلور، والتي كانت تستهدف أحد مراكز الشرطة.

تطور خطير يدخل دورة العنف المستبد بالعراق. عدة رسائل يحملها هذا الدخول، منها الأمني ومنها السياسي، وأول ما يهدف إلى تحقيقه هو رفع منسوب شلال الدم، بحيث تبدو حصيلة عمليات التفجير التقليدية، المعتمدة حتى الآن، متواضعة ومقبولة ـ إذا جاز التعبير ـ بالمقارنة مع ما يمكن أن تحصده من أرواح، عملية استخدام سلاح كيماوي من هذا النوع وربما لاحقاً من أنواع أكثر فتكاً، ثم إن اللجوء المتكرر إلى هذا السلاح يبدو وكأنه جاء كرد على الخطة الأمنية لإفشالها وإظهارها عاجزة عن تغيير مجرى الأحداث. وربما يكون الهدف الرئيسي من مثل هذا التصعيد النوعي غير المسبوق بخطورته وأبعاده، هو محاولة لتكبير وتعميق الجرح وإضرام نار الفتنة ـ إذا ما تيسر للكيماوي أن يفعل فعله ـ إلى درجة يتعذر معها، إذا لم يصبح من المستحيل، رأب الصدع في المستقبل المنظور.

من هنا أهمية الاستعجال لاستباق الوصول إلى مثل هذه الحالة المفجعة، وقد أشار مشروع القرار المزمع اعتماده من قبل القمة العربية، المقرر افتتاحها غداً في الرياض إلى هذه الحاجة عندما دعا إلى ضرورة تحقيق الاستقرار وتجاوز الأزمة الراهنة عن طريق حل أمني وسياسي متوازٍ يعالج أسباب الأزمة ويقتلع جذور الفتنة.

المفتاح هنا هو التوازي، وكأن القمة تتجه لتقول صراحة إن التعويل على الحل الأمني لوحده، رهان محفوف بمجازفة كبيرة.

وبالتالي فإن ما يحتاجه الوضع هو معالجة «الجذور» التي تتعدى حالة العنف الأعمى، وفي الواقع أن معظم الجدل الدائر حتى في واشنطن، حول الملف العراقي في أزمته الراهنة يحذر من المراهنة على الخطة الأمنية لوحدها، ويشدد في المقابل على وجوب التصدي إلى أصل المشكلة، الكامن في الخلافات السياسية الناشبة بين القوى العراقية، وفي هذا الصدد تؤكد مثل هذه المقاربة على مركزية دور الأطراف العراقية.

مشروع قرار القمة يبرز ذلك بوضوح عندما يقول: «إن حل الأزمة العراقية يقع في المقام الأول على الحكومة والقيادات السياسية العراقية، ودعم وتعاون الدول العربية ودول الجوار...».

من البداية كان الأمر كذلك. والآن أكثر من أي وقت مضى، لا يزال صحيحاً، من دون إرادة عراقية جامعة لا يقوى أي كان على إنقاذ العراق، وربما الآن صارت هذه الإرادة أكثر لزوماً وإلحاحاً، وذلك قبل أن يخطف الكيماوي أية فرصة أمامها.