منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران قبل ما يربو على ربع قرن قطعت الدولة الإيرانية شوطاً كبيراً في تحقيق سلسلة من الإنجازات العلمية والتقنية والفكرية ذات التنشئة الإيرانية الأصلية الصرفة إلى حد كبير نسبياً. جاءت تلك الإنجازات رغماً عن الحصار وأشكال العقوبات والعقبات المتعددة التي اختلقها وفرضها الغرب لمحاصرة الجمهورية الجديدة التي قامت على أنقاض نظام حكم الشاهنشاه شديد الولاء للغرب.

للبرنامج النووي الإيراني الحالي جذور تمتد إلى أيام حكم آخر شاه لإيران وكان ذلك البرنامج يستمد مستلزمات بقائه واستمراره بشكل شبه كامل من معلومات وخبرات وخبراء مصدرها الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وربما إسرائيل أيضاً!.

أدى اشتداد الحصار الغربي وإحكامه على إيران إلى لجوء الدولة الحثيث إلى طاقة علمائها الفكرية الإبداعية الذاتية وإلى التعاون مع الدول التي تضاهي السياسات الغربية مثل الصين وروسيا، ودول أخرى أقل شأناً في العلوم والتقنية النووية مثل ألمانيا والهند والبرازيل وكوريا الشمالية. صرفت الحكومة الإيرانية في ذلك الاتجاه ميزانية ضخمة تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، في معظمها من عائدات النفط الإيراني الذي تشير التقارير الخاصة إلى حدوث إشارات على بدء نضوبه.

في إيران توجد عشرات المناجم من خام اليورانيوم الذي سيجد طريقه إلى معامل التكرير النووية ومن ثم إلى المفاعلات وأجهزة التخصيب التي في معظمها تعتمد مبدأ الطرد المركزي. بعد نجاح دولة ما في تخصيب اليورانيوم يصبح من السهولة بمكان عليها تحويل جزء من ذلك البرنامج النووي السلمي لاستنباط آخر عسكري إذ يتم تخصيب اليورانيوم إلى درجة عالية كافية لاستعماله في صناعة قنابل ذرية من مختلف الأعيرة بعد تزويدها بأجهزة تفجير خاصة، مصنوعة محلياً أو مستوردة.

في نظر الكثيرين عبر العالم فإن المثل الإيراني ريادي ثوري وفريد من نوعه ويجدر الإقتداء به. في دول العالم الثالث، وإيران جزء منه، يعتبر التقدم والتطور الإيراني العلمي والتقني انتصاراً لا يقدّر بثمن. في ذلك الاتجاه أظهرت إيران نيتها في مساعدة تلك الدول النامية الطموحة نووياً. إن يتم تعميم المثل الإيراني دولياً فإن ذلك قادر على إحداث ثورة علمية وتقنية واجتماعية دولية تناهض السيطرة شبه المطلقة الناجمة عن تفرّد الدول الرأسمالية الصناعية خاصة النووية منها بشؤون العالم، السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية!.

ذلك ما يمكن أن يقلب الطاولة على الأنظمة الرأسمالية القوية وتبعاً لذلك قد تتأثر الأنظمة الأخرى في الدول النامية التي تسير في فلكها. يعزز ذلك أيضاً استقلال تلك الدول مما يؤثر في السياسة الدولية بشكل جذري وأساسي ويؤدي إلى تلاشي سلطة مجلس الأمن الدولي الحالي الذي فعلياً يعتبر النادي السياسي للدول أو الدولة الأقوى.

ما يشد انتباه الدول الأخرى بالإضافة إلى خطورة امتلاك دولة نامية للتقنية النووية هو طبيعة النظام السياسي الحاكم وسلوكه في الماضي والحاضر وطموحاته المستقبلية. في نظر الغرب بشكل عام، النظام السياسي الإيراني له قيادة دينية مذهبية متشددة ومتصلبة ولها علاقات فيها توتر قابل للتصعيد والاحتدام مع الإثنيات الدينية والمذهبية والعرقية الأخرى في الداخل والجوار وحتى في الدول البعيدة جغرافياً عن إيران.

في الماضي اكتسب النظام السياسي الإيراني صورة نمطية إعلامية بسبب محاولته العلنية تصدير أنموذج الثورة الإيرانية إلى الخارج. الدول المحيطة بإيران تتوجس خوفاً وقلقاً بسبب محاولات الإدارة الإيرانية الضرب على وتر الخلافات المذهبية والعرقية الموجودة فيها وتطويرها إلى أعمال سياسية. أكثر الأماكن ترشحاً للتأثر بالسياسات الإيرانية هي منطقة الخليج الغنية بموارد الطاقة والتي هي ماعون ضخم للطاقة اللازمة عالمياً. لا تتردد إيران في استخدام ورقة الخليج ديموغرافياً وبترولياً كخيار للضغط أو كرهينة لمقاومة المشاريع الغربية السياسية والعسكرية في المنطقة التي لا ترضى عنها.

منذ نشأته فإن طبيعة النظام الإيراني السياسية وأهواءه وطموحاته لا تلائم المصالح والأهواء الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص. بشكل تلقائي يتحالف النظام السياسي الإيراني (الثوري) مع أية قوة إقليمية أو دولية تعارض السياسات الغربية، ويمدها بالدعم المتوفر لديه لتقف على قدميها ضد ما يعرف ثورياً بالمخططات والطموحات أو حتى المؤامرات الغربية. بات النظام الإيراني معروفاً بولعه للوقوف في حالة مواجهة مستمرة مفتوحة ومكشوفة مع دول المعسكر الغربي ومن يسير في فلكها من دول وأنظمة سياسية صغيرة، طوعاً أو كرهاً أو مراعاة لمصالحها.

تنتظر الإدارة الأميركية بفارغ الصبر حدوث مبررات كافية للبدء بمنازلة عسكرية مع دولة إيران. في العراق المحتل من قبل الجيش الأميركي وجيوش ما تبقّى من حلفاء إدارة بوش وصل التحرش بإيران بعض الذروة بالتعرض للدبلوماسيين الإيرانيين في القنصلية الإيرانية في مدينة أربيل في شمال العراق وفي السفارة الإيرانية في العاصمة بغداد، هذا إلى جانب خطف أحد العسكريين الإيرانيين الكبار في العاصمة التركية أنقرة واستجوابه من قبل الاستخبارات الأميركية.

في الداخل الإيراني تتواصل عمليات استفزاز الحكم المركزي عن طريق استثارة الأقليات المذهبية والعرقية أسوة بما حدث مع العراق قبل الغزو وبعد الاحتلال.

تؤلّب الإدارة الأميركية الدول العربية والإسلامية ضد إيران محاولة تكوين حلف سني ضدها. تتميز الإدارة الأميركية بسرعتها القياسية في تكوين الأحلاف السياسية المؤقتة والدائمة بناء على خلفيات جغرافية ودينية ومذهبية وسياسية محلية وإقليمية في سبيل تحقيق هدف سياسي تكتيكي أو استراتيجي معين.

تبدو الدولة الإيرانية وكأنها تسير باتجاه خيار أو حتى مصير واحد بسبب تمسكها ببرنامجها النووي الذي يلقى معارضة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن مع اختلاف في حدة المعارضة. تحاول الإدارة الأميركية إثارة المخاوف بتكرار سيناريو غزو واحتلال العراق وإنهاء نظامه السياسي بالقوة العسكرية.

وإن بدا الوضع الإيراني مختلفاً إلا أن هنالك تماثلاً جلياً يمكن لسيناريو احتلال وتفكيك العراق أن يكرر نفسه في إيران. في نهاية المطاف ستجد الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أن في مصلحتها التكاتف في الحرب ضد إيران، وستضطر أخيراً إلى منح الإدارة الأميركية غطاء سياسياً مع احتمال إرسال بعضها قطعات من الجيوش لمؤازرة عضد الجيش الأميركي.

تراهن الإدارة الأميركية على الجبهة الداخلية الإيرانية في التصدع في حال بدأ العد التنازلي الحقيقي لحدوث مواجهة عسكرية مفتوحة. مثلما حدث في العراق بالأمس القريب من الممكن أن تتحول السجادة الديموغرافية الإثنية الإيرانية إلى شبكة من خطوط البرق والتماس الملتهبة إذا ما اشتدت حلكة الليل الإيراني!.

من المتوقع حدوث عمليات انفصال ومطالبات بحقوق تقرير المصير والاستقلال عن الدولة المركزية في الجنوب الشرقي والغرب الأوسط والشمال الغربي؛ هنالك من الفئات العرقية والمذهبية الإيرانية من ينتظر بفارغ الصبر فرصة ضعف أو ضرب النظام المركزي.

في نظر بعض المحللين والمراقبين السياسيين فإن مصير الجمهورية الإسلامية في إيران قد يكون مماثلاً لمصير دول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة وأفغانستان والعراق، أو حتى مثل دول أخرى يميل الغرب إلى بدء العبث بمصائرها مثل السودان والصومال بعد اكتشاف النفط في دارفور، وكوبا بعد أفول نجم فيدل كاسترو، وربما الصين بعد سيادة العولمة!.

لا تزال الإدارة الأميركية على الرغم من الفشل الذريع المتراكم الذي تواجهه في العراق، لا تزال لديها القدرة العسكرية وتبحث عن الغطاء السياسي الدولي لكي تهاجم إيران. في حال سيادة القطبية الأحادية الحالية يندر وجود دولة أو كيان سياسي يقبل بأن يضحي بمصالحه مع الولايات المتحدة والوقوف العلني مع دولة نسبياً محدودة القدرة والإمكانيات مثل إيران؛ والحال هذه يصدق فيهم القول المأثور «قلوبهم مع إيران لكن سيوفهم عليها!».

على الرغم من التعاون الإيراني الكامل مع لجان الطاقة والمفتشين الدولية بهدف إثبات سلمية البرنامج النووي الإيراني وحسن نوايا النظام الإيراني النووية، فإن للإدارة الأميركية مآرب وأجندة متطرفة ليس أقلها استبدال النظام السياسي في إيران بآخر أكثر لا مركزية وموالاة للسياسة الأميركية ومصادقاً حميماً لدولة إسرائيل.

جامعة الإمارات