أتذكرون يوم وطأ الأميركيون أرض العراق عام 2003 فدبت الفوضى «الخلاقة» في كل جوانب الحياة وأصبح كل شيء عرضة للنهب والتخريب؟ من مصرف العراق المركزي نقلت وتناثرت أوراق الدنانير العراقية، وفي المتحف الوطني دمر الكثير من شواهد تاريخ العراق العريق وهرب الكثير الآخر إلى بلدان العالم المتحضر. وفتحت أبواب كل الوزارات لمن أراد أن ينقل رزم الأوراق والوثائق إلى مخابئه الخاصة.

حدث كل ذلك في كل العراق، إلا وزارة النفط التي فرض عليها الأميركيون حراسات مشددة كي لا تنفذ منها ورقة. وإلى الذين ظنوا بأن الأميركيين لم يأتوا إلى العراق من أجل النفط كان ذلك هو الموجز، لتأتي التفاصيل في مشروع قانون النفط الجديد.

لم يخف كينيث دير، المدير العام لشركة النفط «شيفرون» عام 1998 سيل لعابه حين قال: «يحظى العراق باحتياطات هائلة من النفط، وكم أود أن تصل شركتنا إليه». وفي عام 2001 أوصت المجموعة الأميركية لتطوير السياسة الوطنية للطاقة التي تضم ممثلين عن كبريات شركات الطاقة الحكومية الأميركية بدعم التوجه من أجل فتح جزء من قطاع الطاقة في بلدان الشرق الأوسط أمام الاستثمار الأجنبي.

وبعد بدء الحرب على العراق قال بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي آنذاك والمسؤول الأول في البنك الدولي حاليا: «لسنا معنيين بالسيطرة على أسلحة الدمار الشامل بقدر السيطرة على النفط»، متحدثا بصراحة عن السبب الرئيسي وراء الحرب.

وفي بداية هذا العام كشفت أسبوعية «إندبيندنت أون سانداي» البريطانية أنه بالتوازي مع الاستراتيجية العسكرية الجديدة أعدت الولايات المتحدة «مشروع قانون سوف يضع صناعة النفط العراقية في أيدي رأس المال الغربي الخاص». وتوقعت أن يدخل القانون حيز التنفيذ في شهر مارس. وقالت ان عددا من الشركات قد أرسل منذ فترة خبراءه إلى العراق لدراسة أكثر المشاريع جاذبية في إطار النهج الاقتصادي الجديد.

حيث سيتمتع المستثمرون الغربيون بإمكانية الحصول على ما يصل إلى 75% من الدخل المتحقق من بيع النفط العراقي. وعلى الفور علق غريت ماتيت، ممثل منظمة «بلاتفورما» البريطانية المدافعة عن حقوق الإنسان بأن مشروع القانون هو «الأسوأ من بين كل ما هو ممكن». وقال النائب الديمقراطي في الكونغرس الأميركي دينيس كيسينيش إن إصرار الإدارة الأميركية «على سن قانون جديد للنفط ليس له أي علاقة بمصلحة الشعب العراقي».

هذا القانون يعني وضع الأساس «الشرعي» لنهب منظم لثروات العراق، وليس العراق وحده. في 15 فبراير 2007 انتهت لجنة النفط والطاقة التابعة لمجلس الوزراء العراقي من وضع مسودة قانون النفط والغاز الجديد لعام 2007 ورفعته إلى مجلس الوزراء الذي أقره، ثم أخذ طريقه إلى البرلمان للقراءة الأولى.

ويعطي هذا القانون الحق للشركات الأجنبية الاستثمار على أساس نظام «اتفاقات تقاسم الأرباح أو الإنتاج» المعروف بـ PSA. ورغم أن جدلا حادا واحتجاجات واسعة جرت في الكويت في السنوات الماضية ضد منح شركات النفط الأميركية امتيازات استثمار نفط الشمال، إلا أن العراق ستكون أول دولة في الشرق الأوسط تعتمد على هذه الطريقة في اجتذاب الشركات النفطية الكبرى منذ حصول بلدان المنطقة على الاستقلال السياسي. فجميعها الآن يعتمد على شركاته النفطية الوطنية التي ترتبط مع الشركات النفطية الأجنبية بعقود خدمات.

يعتبر هذا القانون عودة بالعراق والمنطقة إلى عهود أكل الدهر عليها وشرب عندما كانت الشركات الأميركية والغربية السبع الكبار، والتي ضغطت فيما بعد في التجمعات النفطية العملاقة الأربعة: «إكسون موبيل»، «شيفرون»، «شل» و«بريتش بيتروليوم» تهيمن على صناعة النفط وسوقه العالمية.

حيث كانت تعمل على أساس اتفاقيات تقاسم الإنتاج بموجب عقود تتيح لها السيطرة على النفط وجني الأرباح الطائلة بموجب عقود امتدت أحيانا إلى 35 عاما. وكان العراق من أوائل البلدان التي تحررت من نير هذه الاتفاقيات حين شرعت قانون 80 لسنة 1961 وصولا إلى تأميم كامل النفط العراقي سنة 1974.

وقد سلكت معظم الدول المنتجة والمصدرة للنفط هذا الطريق، ولم يبق منها سوى 12% من صناعة النفط العالمية تدار بموجب عقود تقاسم الإنتاج أو الأرباح البالية، في حين تعمل روسيا وفنزويلا حاليا على الخروج من هذا النظام أيضا.

أكبر الآثار الضارة لهذا القانون هو أنه يمهد لمشروع تقسيم العراق. فهو يسمح «للهيئات المختصة» في الأقاليم بتوقيع العقود ومتابعتها مباشرة مع شركات النفط الأجنبية حتى ولو أنه ينص على التنسيق مع الجهات المركزية. ومن أضراره أنه يمثل خصخصة غير مباشرة للنفط العراقي، حيث تمتد الامتيازات إلى عشرات السنين مما يجعل الشركات عمليا شريكة في ملكية النفط وهو في باطن الأرض. وينص القانون على وجود هيئة استشارية تضم ممثلين عن الشركات الأجنبية مما يعطي لهذه الشركات إمكانية رسم السياسة النفطية الوطنية للعراق.

وهو يصادر على العراق قرارها السيادي بتحديد سقف الإنتاج، إذ أنه يتيح لكل محافظة منتجة للنفط تقرير ذلك بمفردها. وفي هذا ما سيشكل مدخلا لتقويض منظمة الأقطار المنتجة والمصدرة للنفط أوبك والعودة للتحكم بأسعار النفط في السوق العالمية بمعزل عن تأثير الدول المنتجة على هذه السوق.

لقد جرى التسويق لهذا القانون بحجة أن العراق بحاجة إلى اجتذاب الشركات ذات الخبرات التقنيات الأحدث للنهوض بهذا القطاع سريعا. والحقيقة أن العراق لا تنقصه الخبرات، حيث انه يزخر بخبراء صناعة النفط وسوقها المعروفين على نطاق عالمي. أما التقنيات فهي متوفرة لدى شركات الخدمات النفطية التي تعمل في مختلف بلدان المنطقة. ويستطيع العراق اجتذاب هذه الشركات بما يتوفر من الموارد وبضمان الإنتاج الحالي.

وتشير المعطيات إلى أن الاحتياطي الذي تحويه عشرة حقول رئيسية في مختلف مناطق العراق يشكل 7,62 مليار برميل بإمكانية إنتاج أكثر من 3 ملايين ب/ي تحتاج إلى تكلفة تقديرية لتطويرها بحوالي 21 مليار دولار. (موقع الغد، منبر اليسار الديمقراطي http://www.al-ghad.org ، فيصل التميمي).

الحقائق الأخرى المقابلة هي أن شركات النفط لن تسارع إلى الاستثمار قبل الاطمئنان إلى توقف الحرب في هذا البلد، ومعرفة ما الذي سيفعله الرئيس الأميركي المقبل الذي قد يلجأ إلى استبدال الحكم القائم في العراق بطاقم آخر، خصوصا وأنه سيصل إلى البيت الأبيض على خلفية السخط المتعاظم إزاء سياسة الإدارة الأميركية الحالية تجاه الوضع في العراق.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com