من غير الواضح ولا المفهوم للعامة على الأقل لماذا هذه الغيرة المفاجئة من أميركا وإسرائيل على مبادرة السلام العربية، وما الدوافع الحقيقية للطرفين وراء وضعها على جدول الأعمال دون مقدمات، والإكثار من الحديث عنها والتداول بشأنها بعد سكوت مطبق عنها دام خمس سنوات.

الإسرائيليون، وعلى رأسهم أولمرت وليفني وبيريز ونتنياهو، أخذوا يتحدثون عن هذه المبادرة ونقاطها الإيجابية منذ نحو شهرين فقط، وبدوا كأنهم اكتشفوها الآن. ‏

والأميركيون وخصوصاً رايس الذين كانوا يتحاشون مجرد ذكرها في بياناتهم وتصريحاتهم، ويحولون دون الإشارة إليها في قرارات مجلس الأمن الدولي، أدرجوها ضمن تحركاتهم في المنطقة، وأخذوا يتحدثون عن بنودها بشيء من التفصيل ولو على طريقتهم. ‏

وعلى الرغم من أن هذا التحول المفاجئ يستدعي الريبة، لكن لا بدّ من الأخذ في الحسبان في هذا السياق أنّ هناك ذرائع أميركية ـ إسرائيلية كامنة استدعت إخراج مبادرة السلام العربية من الأدراج، وبدء التداول بها بهذا الشكل المتلاحق المتسارع، وفي هذا الوقت بالذات الذي يسبق قمة الرياض العربية. ‏

ما يرشح من معلومات يؤكد أنهم يريدون في هذه المرحلة تعديل المبادرة إلى الشكل الذي تريده إسرائيل، بدءاً من شطب حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وبعد ذلك لكل حادث حديث، وهذا ما أشارت إليه ليفني بوضوح وغمزت نحوه رايس في أكثر من محطة خلال جولتها الحالية في المنطقة. ‏

وبشكل أدقّ يريدون في هذه المرحلة، ومن باب التعالي والتلاعب السياسي، انتزاع تنازلات عربية في قضايا جوهرية لا يمكن التنازل عنها، قبل أن يفكروا مجرد تفكير في العمل بموجب هذه المبادرة، ومن أجل إحلال السلام العادل في المنطقة. ‏

أما ماذا بعد انتزاع هذه التنازلات فمتروك لحينه، ولما ترى إسرائيل أنه يحقق مصالحها وأطماعها، وهذا ما يدفع لطرح عشرات الأسئلة عن دوافع التحرك الأميركي ـ الإسرائيلي تجاه مبادرة السلام العربية. ‏

ولكن ما يبعث على الارتياح الشديد هو أن العرب متيقظون لما يجري أميركياً وإسرائيلياً، ومدركون لمخاطر التلاعب بمبادرتهم السلمية التي صيغت كرزمة واحدة، وأخذت في الحسبان كل متطلبات السلام العادل، وقالت للعالم بصوت واحد وواضح: إن العرب لا يريدون أكثر من حقوقهم، وإنهم دعاة سلام حقيقيون، وإن إسرائيل هي التي تحول دون بلوغ السلام. ‏

وعليه يمكن التأكيد أن أميركا وإسرائيل أخطأتا في الحسابات من جديد عندما تجاهلتا حقيقة جوهرية ومركزية القضية الفلسطينية عند العرب. ‏