يجب الاهتمام بزيارة الدكتورة رايس وزيرة خارجية أميركا، فوصولها للمنطقة والاجتماع إلى أربعة وزراء خارجية عرب في أسوان، وقبل انعقاد القمة العربية التي سيكون محورها المبادرة العربية إلى جانب حالة العراق ولبنان، والصومال، تعيدنا هذه الزيارة لسيرة وصول مندوبين من الاتحاد السوفياتي وأميركا في السابق لجعل النزاع داخل القمة مشكلة عربية بوصايا خارجية، لكن رايس، جاءت لا لتضغط وإنما لبحث قشّة إنقاذ في محيط هادر، إذ أن العودة لتلك المبادرة بعد مضي عدة سنوات عليها وإحياءها، وبما يتفق وموقف إسرائيلي جديد بأنها مناسبة لطرح الحوارات والحلول، حركت السياسة الأميركية، لأن ورطة العراق لا يقابلها إلا نصف نجاح في تحريك عملية السلام بين العرب وإسرائيل.
وحتى تتخطى أميركا العوائق التي خلقتها وبررت مواقفها المنحازة مع إسرائيل فلابد من رؤية شاملة لأحوال المنطقة، والتأكد من أن كل الوسائل والغايات تنتهي عند أمر واحد، هو السلام، وبدونه ستتواصل العداوات والحروب، وأميركا الدولة الأهم في العالم لا تستطيع ترك المنطقة التي في حساباتها، انها الأهم في نجاحها أو فشلها بعقد صلح مع العالم الإسلامي وتسهيل تدفق النفط، وتأمين ساحات المنطقة وخارجها من تنامي الإرهاب، إلا بشرب الكأس المُرة، ومحاولة الحياد في حل الإشكال الأهم بين العرب وإسرائيل، حتى تكون منصفة لسياستها ومجموع ما ترتكز عليه من أهداف في المنطقة.
أوروبا أكثر شطارة في التحرك، وإن ظلت القيود الأميركية تصادر عليها الكثير من النجاح، لكن الموقف الآن، يوحي، ولا يعطينا الجزم، بأن هناك تحركاً جاداً أي ما كان يؤمن سلاماً لإسرائيل ما بعد حرب 1973، أصبح أكثر خطراً عليها حين وصلت باكستان إلى تقنية صناعة الأسلحة النووية، وتسعى إيران لامتلاك هذا الحق، وتتحرك دول عربية إلى الحصول على حقوق مماثلة، وحتى مع اختلاف الغايات، فإن الشروع بامتلاك هذه التقنية يضع أمن المنطقة باتجاه التصعيد الأخطر، وحتى تختزل هذه الأهداف بإنشاء منظومة قوانين وسياسات تتقابل على السلام، ولا تتقاتل على السلاح، ربما يوصل هذه الغايات إلى حلول طويلة الأجل.
رايس أكثر العقول في فريق بوش وعياً وثقافة، وربما لو حققت نجاحاً في السلام العربي - الإسرائيلي، فقد تسبق كيسنجر والخطوة خطوة، وحتى الرئيس كلينتون الذي جازف بنفسه رعاية حوارات الفلسطينيين، والإسرائيليين، وغيرهما ممن دوّن في مفكرته العديد من الطروحات والأفكار لتنعدم في بحر الخلافات وتنتهي إلى أرشيف المنطقة في الخارجية الأميركية.
لا نستطيع قراءة كف رايس، ولا فك جمجمتها لمعرفة ما دار في رأسها، لكن ربما تكون الرياح هذه المرة غير عاتية على المنطقة، إذ ربما حدثت قناعات بأن مشروع الحلول السلمية يسبق أي مشروع للشرق الأوسط الكبير، وتعاليم الديموقراطية، ومنع التقاتل في العراق، لأن كل الطرق تقف في فلسطين، ولا تمر خارجها.