لدى مغادرتها واشنطن لبدء جولتها الراهنة في المنطقة، أدلت الوزيرة رايس بتصريح قالت فيه: «لابد من محاولة لتحديد ما يمكن أن تقدمه المراحل الأولية للمصالحة، من جانب العرب للمساعدة على إقامة دولة فلسطينية»! مضمون المطالبة ـ السؤال، صحيح. لكن يبدو أن الوزيرة أخطأت العنوان، أو هي تعمدت هذا الخطأ؟ لا فرق. النتيجة واحدة. فالجهة المطلوب منها تقديم شيء ـ بل أشياء ـ في هذا المجال هي إسرائيل وليس العرب.
لا جدال بأن المراحل الأولى من التسوية تقتضي القيام بخطوات عملية. الإعراب عن النوايا الحسنة وعن الاستعداد للسلام لا يكفي لوحده، هناك تخمة من هذه البضاعة، التي لم تسعف في التقدم بوصة واحدة نحو السلام. الآن جاء وقت ترجمة الاستعداد إذا ما كان لعملية السلام أن تثمر.
الجانب العربي طرح مبادرة عام 2002 في قمة بيروت، في هذا الخصوص: دولة فلسطينية ضمن حدود 67 مقابل سلام شامل مع إسرائيل. الجواب الوحيد الذي نالته من جانب هذه الأخيرة، كان الرفض. كما أنها لم تحظ من جانب الآخرين وخاصة واشنطن، غير التجاهل والإهمال. الذرائع التي سيقت آنذاك تراوحت بين التشكيك ومحاولات التسخيف في أحسن الحالات تم التعتيم عليها وأغرقت في النسيان.
لكن الكرة منذ ذلك الحين بقيت في الملعبين الإسرائيلي والأميركي تلك المبادرة تعرض صفقة كاملة، لأول مرة بمثل هذا الشمول. تل أبيب لم تتوقف عند تقديم هذا العرض لأنها غير قادرة على قبول معادلة الأرض مقابل السلام. تريد الاثنين معاً إذا تغيرت الأمور ـ هل لديها الاستعداد أصلاً لقبول مثل هذه المعادلة؟
ـ، عليها عندئذ الرد على المبادرة. أو بالأحرى على واشنطن مطالبتها برد إيجابي عليها؛ وذلك قبل التوجه إلى العرب وحثهم على «تحديد ما يمكن أن يقدموه»، لتحقيق السلام خاصة وأن الوزيرة رايس أوضحت أمس في أسوان، بأن الإدارة الأميركية «لم تقترح تعديل المبادرة»، يعني أن هذه الأخيرة مقبولة بصيغتها التي طرحت فيها.
أولمرت جاء على سيرة المبادرة بصورة ضبابية، تفيد عدم قبوله لها كما هي، حري بواشنطن إذن، أن تنتزع منها موقفاً أوضح، أو على الأقل مطالبته بموقف ما من المبادرة. ثم تقول رايس إن «على العرب تشجيع الفلسطينيين على التقدم!».
وأضافت «لقد تعبوا ويريدون دولتهم». تمام، لكن الجانب الفلسطيني تقدم إلى أكثر من منتصف الطريق. برنامج حكومة وحدته الوطنية ينطق بالتزامه بخيار السلام وبالإجماع وبالتالي لم يعد هناك من خطوات في هذه اللحظة، ينبغي تشجيعه عليها.
لقد رافق أو سبق الوزيرة رايس تسريبات وإشاعات بأن واشنطن تحمل «خطة» تعتزم تسويقها ووضعها موضع التنفيذ. ظروف المنطقة وإعادة حساباتها وترتيب أولوياتها، قضت بأن تحث الخطى باتجاه إبرام تسوية على أساس شعار الدولتين. إذا كان ذلك هو حقيقة ما استقرت عليه إدارة بوش فالقمة العربية تفتتح أعمالها غداً؛ وإعادة طرح المبادرة يرجح أن يكون أحد البنود الرئيسية لجدول الملفات أمامها. وبالتالي فهذه هي لحظة الرد عليها من جانب إسرائيل. هذا هو العنوان الذي على واشنطن مطالبته بهذه المهمة.