عندما احتلت اليابان كوريا وجعلت منها إحدى مستعمراتها عام 1910 إثر انتصارها على الصين وروسيا، عمدت بعد السيطرة على كل أوجه الحياة فيها إلى تبني سياسة تهدف إلى ضم الثقافة الكورية إلى الثقافة اليابانية. وكان أول ما فعلته هو إلغاء اللغة الكورية من المدارس وإحلال اللغة اليابانية محلها، كما أغلقت الصحف التي كانت تصدر باللغة الكورية، وأجبرت الكوريين على استخدام نظام الأسماء اليابانية، وفرضت هيمنتها على الأدب والفن إلى الدرجة التي تلاشت معها العديد من الرقصات الشعبية الكورية خلال فترة الاحتلال.
لكن ردة فعل الكوريين بعد الاستقلال كانت قوية وسريعة، فقد كان أول مرسوم يصدر في العدد الأول من الجريدة الرسمية هو مرسوم منع استخدام اللغة اليابانية لتعود للغة البلد القومية كرامتها التي أهدرت، وانطلق كبار السن يلقنون الأجيال الجديدة لغتهم الأصلية التي أراد المحتل طمسها خلال سنوات احتلاله للبلد. كان هذا اختبارا قاسيا للشعب الكوري، عرف من خلاله أهمية اللغة والمحافظة عليها، فهل تحتاج الشعوب دائما إلى اختبارات من هذا النوع كي تدرك أن لغاتها هي حياتها وهويتها؟
إن قراءة سريعة في بعض بنود القانون الذي أصدرته الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيان في الرابع من أغسطس عام 1994 لحماية اللغة الفرنسية تضعنا أمام مواجهة حقيقية مع ما تتعرض له لغتنا العربية على أيدينا نحن أبناءها، وتجعلنا نطلق الصرخة تلو الصرخة مطالبين بإنقاذها من الهاوية التي تتردى إليها ونحن مشاركون، بل أعضاء فاعلون في عملية التردي هذه. فما الذي يقوله هذا القانون، وإلى أي مدى نحن مطالبون بإصدار قانون مثله يؤمن الحماية للغتنا وهويتنا التي تتلاشى يوما بعد يوم وتتحول إلى مسخ رديء؟
ينص الفصل الأول من القانون الفرنسي على أن (اللغة الفرنسية بمقتضى الدستور هي لغة الجمهورية، وهي عنصر من العناصر الأساسية للشخصية الوطنية ومن الميراث الفرنسي، وهي لغة التعليم والعمل). وينص الفصل الثاني على أنه (في التعيين أو التسمية والتقديم وطريقة العمل أو الاستعمال ووصف اتساع وشروط ضمان المال والمنتج أو الخدمة وكذلك الفواتير والإيصالات، فإن استعمال اللغة الفرنسية إجباري. وتنطبق هذه الأحكام نفسها على الإعلانات المكتوبة أو المقروءة أو السمعية أو البصرية).
وينص الفصل الثالث على أن (كل كتابة أو إعلان معروضين في الشارع العام في مكان مفتوح على الجمهور، أو في وسيلة نقل عمومية بقصد إعلام الجمهور، يجب أن يكونا محررين باللغة الفرنسية. وإذا كانت الكتابة مخالفة للأحكام السابقة ومعروضة بمكان يعود لشخصية معنوية ذات حق عام، تقوم الأخيرة بتنبيه المعني بالأمر بضرورة إنهاء الضرر على نفقته الخاصة وفي أجل محدد. وإذا لم تكن هناك استجابة، ونظرا لخطورة المخالفة، يمكن حرمان المخالف من استعمال المرفق العام مهما كانت بنود العقد الذي استُعمل بموجبه المرفق، وبغض النظر عن الرخصة التي يحملها).
أما الفصل الخامس من القانون فيقول إنه (مهما كانت مواضيع وأشكال العقود التي يعمل من خلالها شخصيات معنوية ذات حق عام أو خواص ينفذون مهمة ذات نفع عام فإن هذه العقود يجب أن تكون محررة باللغة الفرنسية، وأن لا تحتوي على أي عبارة أو لفظ بلغة أجنبية، خاصة في حال وجود عبارة أو لفظ بنفس المعنى مصرح بهما في نطاق الترتيبات القانونية الخاصة بإثراء اللغة الفرنسية).
وتتعامل الفصول الثامن والتاسع والعاشر مع قانون العمل فتقول إن (عقد العمل المثبت كتابيا يحرر باللغة الفرنسية، وعندما يحتوي عقد العمل على لفظ أجنبي ليس له مقابل في اللغة الفرنسية يجب أن يتضمن شرحا للفظ المذكور. يحرر النظام الداخلي بالفرنسية ويمكن أن يكون مرفقا بترجمة لعدة لغات.
كل وثيقة تتضمن واجبات على المأجور أو ترتيبات يجب معرفتها من طرفه كي يتمكن من تنفيذ عمله يجب أن تكون محررة باللغة الفرنسية، ويمكن أن تكون مرفقة بترجمة للغات أجنبية. عقود واتفاقيات العمل الجماعية ومشاريع المؤسسات يجب أن تحرر باللغة الفرنسية. أي وثيقة محررة بلغة أجنبية لا يعتد بها ويمكن للمأجور أن يطعن فيها).
وعن التعليم والإعلام يقول القانون إن (لغة التعليم والامتحانات والمناظرات والأطروحات والرسائل في المؤسسات التعليمية العامة والخاصة هي اللغة الفرنسية) و إن (استعمال اللغة الفرنسية إجباري في بث البرامج والرسائل الإعلانية من قبل أجهزة الإذاعة والتلفزيون مهما كانت طرق بثها أو توزيعها باستثناء الأعمال السينمائية أو السمعية البصرية التي تقدم من خلال نسختها الأصلية... وعندما تكون البرامج والوسائل الإعلانية المقصودة بالفقرة الأولى من هذا الفصل مصحوبة بتراجم بلغات أجنبية يجب أن يكون التقديم باللغة الفرنسية بالوضوح نفسه قراءة واستماعا وإدراكا، وأن لا تقل في شيء عن اللغة الأجنبية).
أما فيما يتعلق بالعلامات التجارية فينص القانون على أن (استعمال علامة صناعية أو تجارية أو خدمية مكونة من تعبير أو لفظ أجنبيين هو قطعا محظور على الشخصيات المعنوية والخاصة ذات الصلة بالقانون العام أو الخاص ما دام هناك لفظ أو تعبير فرنسيان بالمعنى نفسه يستجيبان للشروط الخاصة بإثراء اللغة الفرنسية).
ويربط الفصل الخامس عشر تقديم المساعدات بجميع أنواعها من قبل المجموعات والمؤسسات العامة باحترام المستفيدين لترتيبات هذا القانون، حيث يترتب على الإخلال بها استرجاع المساعدة كليا أو جزيئا. كما خوّل الفصل السادس عشر ضباط وأعوان الشرطة القضائية الذين يعملون بمقتضى إجراءات القانون الجزائي رصد وتقصي المخالفات الواردة بنصوص القانون، والاطلاع على الوثائق والسجلات التي تساعدهم في إتمام عملهم وأخذ نسخ منها، كما يمكنهم أخذ عينات ونماذج من السلع المشكوك فيها ضمن الشروط التي يحددها مرسوم مجلس الدولة.
وينص القانون على أن كل شخص يقوم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بتعطيل عمل الأعوان ولا يضع تحت تصرفهم كل الوسائل التي تساعدهم على إنجازه فإنه يعرّض نفسه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجزائي. ويطالب القانون الحكومة بأن (تقدم تقريرا سنويا للمجلس، وذلك قبل 15 سبتمبر من كل عام حول تطبيق هذا القانون والحالة الخاصة بوضع اللغة الفرنسية في المحافل والمؤسسات الدولية).
إن لغة يفرضها أبناؤها على كل شؤون الحياة بدءًا من الفواتير والإيصالات، ويفرضون على حكومتهم أن تقدم تقريرا سنويا عن الحالة الخاصة بوضعها في المحافل والمؤسسات الدولية، لهي لغة يحق لها أن تتيه فخرا على كل لغات الشعوب والأمم، فهل ثمة أمل في أن تحظى لغتنا العربية بفصل واحد فقط من فصول قانون حماية اللغة الفرنسية؟
نطرح السؤال وفي حدود علمنا أنه لم تبادر دولة عربية حتى الآن بأخذ زمام المبادرة في هذا الشأن، اللهم إلا مبادرة قام بها مجمع اللغة العربية الأردني عندما تقدم للحكومة بمشروع قانون عام 1991 ولا نعلم إن كان قد تم لهذه المبادرة الاكتمال أم أنها ما زالت حبيسة الأدراج حتى الآن. فهل تبادر دولة الإمارات التي عودتنا على المبادرات الجريئة إلى سن قانون لحماية اللغة العربية بعد أن أصبحت لغتنا مهددة من كل جانب؟
هذا ما نتمناه ولا نعتقد أنه مطلب صعب إذا توفرت النوايا الصادقة لحماية لغتنا التي هي عنوان هويتنا، قبل أن نفقد هذه الهوية وتعصف بها الرياح التي تهب عليها من كل حدب وصوب، آخذة معها في طريقها كل مقومات الهوية ورموزها، ومن يرفع لواء المحافظة عليها والدفاع عن حصونها التي تتهاوى حصنا بعد حصن.
وأولها حصن اللغة التي هي وعاء الفكر والتاريخ والعلم والأدب والفن والحضارة بمفهومها الشامل، فهل نترك الحضارات الوافدة علينا بمختلف أشكالها تتخطف حضارتنا وتمحو كل أثر لها أم ننتصر لهذه الحضارة وندافع عنها؟ هذا هو التحدي الأكبر الذي علينا أن نواجهه إذا أردنا أن نحافظ على وجودنا، ولا نظن أننا عاجزون عن الدفاع عن هذا الوجود وحمايته إلا إذا تَمثّلنا بمقولة عبدالمطلب الشهيرة فقلنا: (وأما اللغة فلها رب يحميها).
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com