يبدو أن الحاضر الأكبر في القمة العربية المقبلة هي الدولة العبرية، وذلك واضح من خلال التحضيرات المحمومة والجولات المكوكية التي تقوم بها الإدارة الأميركية بالوكالة عنها تمهيداً لعقد هذه القمة، التي راحت قضية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم تخطف أضواءها حتى قبل بدء انعقادها.

لكن ليس على قاعدة إحقاق الحق ورفع الظلم الذي وقع على رأس هذا القطاع الواسع من الشعب الفلسطيني عام 1948 وإنما بهدف تنحية هذا الحق جانبا والتنازل عنه مرة وإلى الأبد حتى تتاح للدولة العبرية فرصة المضي قدما في مشروعها الاستعماري في المنطقة، الذي لا تمثل فلسطين فيه إلا حلقته الأولى.

وفيما يأمل الشارع العربي عدم طرح هذه القضية لا على هذه القمة فحسب وإنما على أي قمة أو محفل آخر ما لم يتم التأكد من أن ميزان القوى في المنطقة بات يرجح لصالح القضايا العربية عموما والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، ذلك أنه ليس من مصلحة الطرف الذي لا يزال يمثل الحلقة الأضعف في معادلة موازين القوى في هذه المنطقة المتلاطمة من العالم طرح قضايا كبرى من هذا النوع وبهذه القامة لأنه من المحتم أن سيكون الخاسر الأول والأخير بكل تأكيد.

وهذا تحديدا ما يفسر تلك الجهود المحمومة التي تبذلها الدولة العبرية والإدارة الأميركية ووسائل إعلامهما باتجاه الإيحاء للناس بأن قمة الرياض تعقد، في المقام الأول، لمناقشة مسألة عودة اللاجئين لجهة التنازل عن حقهم التاريخي ذاك، مع أن الواقع السياسي- الاقتصادي في المنطقة يشير إلى وجود سلم أولويات مغاير تماما لهذا التوجه الزائف وأنه بغض النظر عن ضرورة الأخذ في الاعتبار لعبة موازين القوى عند التعامل مع القضايا الاستراتيجية الحساسة.

فإن العرب يواجهون مشكلات إن لم نقل معضلات أكثر إلحاحية تتطلب موقفا حازما وردا فوريا لا يقبلان الانتظار أو التسويف والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة تبدأ بالعراق وشعبه التي باتت قضيته تضاهي في خطورتها القضية الفلسطينية وليس انتهاء بلبنان وشعبه، الذي يبدو أن المزيد من المعاناة لا يزال في انتظاره رغم شتى صنوف المعاناة التي كابدها على مر التاريخ.

على الرغم من أن القضية الفلسطينية تشكل، بلا شك، قضية العرب المركزية، ليس حبا بأصحابها فحسب وإنما لما تفرضه الدولة العبرية من تحديات عظام أولها خطر هيمنتها على المنطقة برمتها، إلا أن عمر هذه القضية قد طال وآفاق إيجاد حلول لها مكفهرة ومسدودة إلى حين التمكن من إحداث تغيير في ميزان القوى القائم لصالح العرب يسمح بتحصيل بعض من حقوقهم أو كلها معا وبالتالي فإن المطلوب أولا هو التركيز على تلك القضايا الملحة، التي تمس حياة المواطن العربي مباشرة والمعرضة بدورها لخطر تحولها إلى قضايا تاريخية مستعصية وعصية على أي حل مثل قضية اللاجئين الفلسطينيين.

إذا، فالمسألة تتعلق أولا بأولويات لا بد من التعامل معها بأسلوب علمي هادئ بعيدا عن تأثيرات الدوائر الغربية ووسائل إعلامها الجبارة، التي بات، منذ لحظة الإعلان عن تاريخ عقد القمة العربية في الرياض، لا هم لها إلا الحديث عن تعديل مبادرة بيروت العربية عموما والبند الخاص بحق العودة على وجه التحديد.

وللذين يتوهمون بأنهم لا يزالون يلعبون خارج دائرة الخطر نقول إن التنازل عن حق العودة لا يشكل سوى حلقة واحدة فقط في سلسلة تنازلات ليس لها لا أول ولا آخر ولن تبقي ولن تذر إذا ما واصل العرب التعامل مع قضاياهم الحيوية بهذه الطريقة المخزية والخاسرة.

والتي لن تفضي إلا إلى إحكام قبضة الصهيوني على المنطقة ومقدراتها، بدءا بالموارد المادية وليس انتهاء بالموارد البشرية، التي سيكون عنصرها الأساسي، ألا وهو الإنسان، عرضة للتمييز العنصري ذاته، الذي تمارسه الدولة العبرية على الشعب الفلسطيني وبعض أجزاء من الشعوب العربية الأخرى.

وللذين لا يقرأون الحاضر و التاريخ نقول أيضا إن موضوع اللاجئين الفلسطينيين لم يرفع لحظة واحدة عن طاولة السياسيين والباحثين والمفكرين الإسرائيليين لا قبل إنشاء دولتهم الاستعمارية ولا بعده وهم لم يتوقفوا قط عن محاولة إيجاد مخرج له والإبقاء على اللاجئين حيث هم حفاظا على «نقاء العرق اليهودي» .

واستمرار مشروعهم العدواني على قيد الحياة. فمن المعروف أن مراكز الأبحاث الإسرائيلية قد دأبت على حث القادة السياسيين في إسرائيل على طرح قضية اللاجئين ليس في أي فرصة سانحة وإنما في فرص يجب العمل على تهيئتها وعدم انتظار الآخرين حتى يبادروا إلى طرحها وذلك إدراكا منهم بأن هذه اللحظة هي لحظتهم، التي قد لا تتكرر أبدا.

bassil@albayan.ae