عيب مشروع «المبادرة العربية» هو أنها تتضمن «جزرة» بينما لا تتضمن «عصا».بمعنى أنه لو رفضت إسرائيل المبادرة أو ماطلت في التجاوب معها فإنها لن تتعرض لضغط أو عقاب عربي يضطرها إلى قبول التفاوض. فالمبادرة تخلو تماماً من نبرة تحذيرية حازمة وحاسمة موجهة إلى القيادة الإسرائيلية من قبيل: «تجاوبوا مع المشروع وإلا...».
بأي معيار من معايير القانون الدولي أو القانون الأخلاقي الطبيعي فإن المبادرة العربية مشروع متوازن وعادل ومنصف لكلا الجانبين العربي والإسرائيلي.. بل هو أكثر إنصافاً للجانب الإسرائيلي منه للجانب العربي. لكنه للأسف غير مسنود بقوة تحريكية.
تقوم المبادرة على عنصرين أساسيين: جلاء الاحتلال الإسرائيلي عن كافة الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967.. وفي المقابل تحظى إسرائيل باعتراف كامل من كافة الدول العربية. ونقول إن المبادرة على هذا النحو هي أكثر إنصافاً لإسرائيل لأن القانون الدولي يتطلب من الدولة اليهودية تصفية احتلالها دون أن تستحق مكافأة. فالقانون الدولي يحظر احتلال أراضي الغير بالقوة.
الآن وقد مضى على إعلان المبادرة العربية عامان بعد أن تبنتها رسمياً قمة بيروت فإنني لا أدري ما المطلوب على وجه الدقة من وضعها على جدول أعمال قمة الرياض المرتقبة.
لا مانع من إعادة عرضها على اجتماع القمة المقبل، ولكن ليس بغرض تذكير إسرائيل بها، وإنما بغرض كيفية فرضها على القادة الإسرائيليين.. عن طريق إضافة «عصا» إلى «الجزرة» المتمثلة في الاعتراف العربي الجماعي بإسرائيل.
هذه العصا العربية يمكن أن تتجسد في قوة خشنة أو قوة ناعمة. وبما أن الحكومات العربية لا تتوفر لديها في الوقت الحاضر إرادة لاستخدام القوة الخشنة ـ أي شن حرب على إسرائيل ـ فإنها ليس لها عذر في عدم اللجوء إلى القوة الناعمة.. بأنواعها وأساليبها المتنوعة.
من بين أنواع القوة الناعمة المتاحة أن تتوافق الدول العربية على شن حملة دبلوماسية دولية ضد إسرائيل. وفي هذا الصدد نشأت بالفعل بوادر انشقاق داخل اللجنة الرباعية الدولية حيث انقسمت اللجنة إلى فريقين: «الاتحاد الأوروبي وروسيا في مواجهة الولايات المتحدة.
فبينما تصر الولايات المتحدة على أن تعلن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية اعترافاً صريحاً بشرعية شروط ثلاثة ـ الاعتراف بإسرائيل و«نبذ العنف» والالتزام بالاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بما في ذلك اتفاق أوسلو ـ فإن دول الاتحاد الأوروبي وروسيا تكتفي بأن يكون مثل هذا الاعتراف بالشروط المذكورة ضمنياً.
لكن لكي تستطيع دول الاتحاد الأوروبي وروسيا المضي قدماً في مناوأة الجانب الأميركي وكسر حدة معارضته فإنها تحتاج إلى دعم عربي حكومي. إنها بحاجة لأن تقول لواشنطن في حزم: نحن نعكس ما تريده الحكومات العربية.
فإلى أي مدى يتوافر لاجتماع قمة الرياض استعداد لخوض معركة دولية على نهج القوة الناعمة؟
سيكون هناك اختبار عملي يتمثل في مدى استعداد قادة القمة لكسر الحصار الاقتصادي المفروض على الشعب الفلسطيني عن طريق خطوات عملية وليس مجرد قرارات نظرية.نجاح أو فشل القمة في هذا الاختبار العملي هو الذي سيكشف لشعوب الأمة مدى صحة ما يشاع بأن اجتماع القمة هذه المرة سيكون مختلفاً عما سبقه من قمم.