"تصهين" بعض العرب بدوافع ذاتية وليست وطنية أو قومية، وإنما حصيلة حقد على نظام أمّمَ ممتلكات العائلة، أو طاردها لخلافات حزبية، أي أن هذا الخروج لم يأت من خلال خلاف في اطار للحرية الدستورية، بل نتيجة صدمة ما، جرفته تسعين درجة عن حياته السوية.

وقد "تعرّب" صهاينة لكن من خلال مضامين مختلفة، وبحصانة قوانين تتيح لهم حرية طرح أفكارهم واعتماد مواقفهم، وخاصة أولئك الذين عاشوا في الغرب الأوروبي وأمريكا، ورأوا أن التعسف الإسرائيلي فاق التصورات حين جاء بخلفية المحرقة، والوطن القومي، بإزاحة عنصر لإحلال آخر.

العرب والصهاينة تباعدت بينهما المواقف وانتشر العداء بعد الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وقد توفرت أسباب لتصعيد الحروب، والمؤامرات، والسباق على تباعد المسافات من أجل ايجاد حلول معقولة، لأن البشر متغيرون، عكس الجغرافيا التي إما أن تدمرها آلة الحرب، أو يعمرها السلام، وخاصة في نزاع على أرض محدودة المساحة والإمكانات.

في المهجر العالمي (العربي) حين يحارب دينه أو وطنه، أو ينتقل إلى ملّة أخرى فهويريد تحقيق أهداف دعائية أكثر من صياغة مشروع فكري أو سياسي حصيلته تقريب وجهات النظر وفتح الأنفاق المظلمة نحر الأضواء، ولذلك يفتقد التأثير في بيئته، أو خارجها، بل إن اتكاءه على حماية دولة أو نفاق حزب وهيئات يوقعه بنفس الخطأ الذي جازف به بإعلان الحرب على سلطته العربية من منظور المعارض لوجه المعارضة فقط، معتقداً أنه ضحية شجاعته ودعواته التي لا يتسع لها العقل العربي، ولا أنظمته الحكومية والدستورية، وهنا يأتي استغلال حرية دولة المهجر كنوع من الانتقام على بلد المنشأ عكس كل الجاليات الأخرى التي تجعل من الوطن قضية مقدسة، وتحاول تلك الجماعات نقل ثقافاتها وتقاليدها، وحتى مطبخها لتكون علامة بارزة في الدعاية للوطن وبلد الأجداد.

اليهودي بطبيعته عاش الهجرة الدائمة، لكنه جعل من أوطان الإيواء بيئة عمل حين حقق مكاسب مادية ودعائية أوصلته إلى غايات لم تتحقق لغيره، ولعل التحدي خلق لديه مبدأ العودة لما يدعي أنه وطنه، وقد استطاع الحصول على أحلامه، وهنا يأتي الاختلاف بين صهيوني تجذرت فيه روح العداوات، ونفى صفة الإنسانية أو الحقوق للشعب الفلسطيني، وبين من استغل حريته في بلدان المهجر ليكون رمزاً لثقافة التسامح والمعارض لسلوك الحكومة الإنسانية، دون أن ينتظر دعماً من دولة عربية، أو رشوة من منظمة ما، وقد تكون تلك القلّة البسيطة أكثر تأثيراً على الرأي العام خاصة إذا جاءت من علماء ومفكرين وساسة من الوزن الذي اشتهر في محيطه، وعالمه الكبير.

الحرية باب مفتوح في المناخات الحضارية التي أتاحتها بلدان الدساتير المتقدمة وهي دائرية الحركة لمن يريد استثمارها بوجهها الإنساني، ومعيار النجاح أن لا تكون لعبة بيد الأقوياء، أو انتقامياً تحركك الأحقاد.