جرت العادة عشية كل قمة عربية وقد شهدنا في التاريخ العربي المعاصر العديد من القمم السنوية الدورية والاستثنائية، ان نقول إنها قمة استثنائية بامتياز في مضمونها إن لم تكن في دوريتها. لكن هذه المرة يصح القول انها قمة الفرصة ربما الأخيرة للإنقاذ او لمنع هيكل النظام العربي الرسمي من الانهيار.

وعندما نقول منع الانهيار فليس المقصود بقاء النظام على المستوى الاسمي فقط دون أي مضمون من القدرات والفعالية بحيث قد يذكرنا هذا الوضع اذا ما استقر بواجهة منزل غير قائم أساسا كما هي الحال في (مدن الأفلام الأميركية). كم يبدو سوداويا وخطيرا المشهد العربي عشية القمة، يجمع بين أزماته العديدة والمترابطة الانسدادات الحاصلة فيها والمرشحة للتفجير الذي لا تدرك عواقبه وذات التداعيات الخطيرة على الجميع.

نتوقف ربما عند خمس من هذه الحالات الأزموية الضاغطة على جدول أعمال القمة والتي هي بحاجة الى أكثر من قرارات روتينية تعودنا عليها دائما قرارات المناشدة والمطالبة والدعوة للتنسيق والدعم التي تنتهي فعاليتها صباح اليوم التالي للقمة وتوضع على رفوف مليئة من وثائق جامعة الدول العربية.

العراق بعد أربع سنوات من الغزو يقف على مفترق طرق اقل ما يقال انه حامل لتداعيات خطيرة تتخطى البيت العراقي الذي تحول للأسف الى عدة بيوت أبوابها مقفلة أمام الآخر. العراق، حامل لمخاطر ما صار يعرف بالعرقنة، عرقنة المنطقة ولو بدرجات متفاوتة وفي أزمنة مختلفة ولو انها غير متباعدة بالضرورة. وقد لا تكون العرقنة عرقنة عنف على ارض الواقع بقدر ما تكون مقيمة لجدران على أسس طائفية ومذهبية واثنية ضمن البيت الواحد وجاهزة للانفجار عند توفير أي عود ثقاب.

العراق الذي صار على مشارف نقطة اللاعودة بحاجة الى أكثر من الضمادات والخطوات الصغيرة. العراق بحاجة الى مقاربة شاملة لتناول مجمل أوجه وعناصر التفجير والانسداد في أزمته الحالية وليس الاستمرار في سياسة رد الفعل القائمة على التعامل مع كل وجه او عنصر على حدة او كرد فعل متأخر دائما وغير مرتبط بالعناصر الأخرى.

على القمة ان تؤكد على ان توحيد العراق وهو الذي يتعرض الى مزيد من التفكك كل يوم مصلحة عربية حيوية وان التوحيد لا يتم بالخطاب وبالتمنيات حينا وبالدعوات أحيانا بل بالمبادرة التي تحمل مقاربة ايجابية لكافة عناصر الأزمة العراقية ومحاولة توفير الطمأنة لكافة أطياف الشعب العراقي والتي تنطلق من التركيز على الأبعاد الدولية والإقليمية والداخلية المترابطة في الواقع لهذه الأزمة والتي يؤدي تجاهل هذه الترابط او قوة تأثير بعض هذه العناصر على عناصر أخرى بخروج القطار عن سكة التسوية او عدم انطلاق قطار التسوية أساسا.

على العرب ان يبلوروا بكل واقعية اخذين في الاعتبار المعطيات العراقية الجديدة وتلك المحيطة بالعراق مشروعا لإنقاذ العراق وان يبادروا تجاه كافة الأطراف المعنية الخارجية والداخلية لدعوتهم إلى الجلوس حول طاولة التسوية في مؤتمر مفتوح يخرج بتوافقات وسياسات عملية لإنقاذ العراق ولكن أيضا لإنقاذ كل من له مصلحة في تلافي النار العراقية الملتهبة وامتداداتها المباشرة عليه او غير المباشرة على مصالحه الحيوية في المنطقة. وأمام القمة أيضا المواجهة بين مشروعين كبيرين يختلط فيهما الإيديولوجي بالاستراتيجي يتنازعان على المنطقة العربية الشرق أوسطية.

المشروع الأميركي والمشروع الإيراني او ما أسميناه في مقال آخر صراع الجبابرة حيث يبدو العرب كمجرد ملعب للصراع او مسرح للمواجهة يلتقون مع هذا الطرف في مصلحة معينة ومع ذلك في مصلحة أخرى دون ان يكون هنالك تطابق كلي في الرؤية وفي المصالح مع أي من الطرفين .

ولو بدرجات مختلفة من القرب والبعد مع كل منهما لكن ما يفترض ان يجمع العرب هو القلق من تصاعد هذه المواجهة وانفجارها في حرائق على أرضهم او توظيف قضاياهم كأوراق رابحة في الصراع وفي لعبة المقايضة المباشرة او تلك الأخطر غير المباشرة. كذلك ما يجب ان يخيف العرب هو التوصل الى صفقة كبيرة بعد اقتناع الطرفين بمحدودية قدرة كل منهما لتوفير النصر الكلي وفي وصولهما الى حالة من التعب مع تزايد أصوات المعارضة على ارض كل منهما لسياسته.

العرب سيدفعون ثمن المواجهة والعرب سيدفعون ثمن التسوية اذا لم يتحركوا ليس فرادى بل كطرف عربي واحد لمنع المواجهة وللمشاركة الفاعلة في صنع التسوية المطلوبة التي تقوم على حصول تفاهم عبر الحوار المباشر مع كل من الطرفين. الحوار الذي يحمي المصالح الأساسية للجميع كما هي الحال في عالم السياسة وليس كما هي الحال في عالم العقائديات والأطروحات المطلقة فهل يستفيق العرب على أهمية تحويل الصدام الثنائي الى دبلوماسية مثلثة الأضلاع حماية لأرضهم ولوجودهم ولمستقبلهم ام يستمروا في لعب دور المسرح لصراعات الآخرين.

لبنان يمثل المسألة الثالثة حيث يلتقي التأزم الداخلي بسبب التوافقات اللبنانية الهشة بين دول الطوائف، مع الصراع بالواسطة حول الورقة اللبنانية ويبدو ان الوضع اللبناني يتجه نحو الاستقرار المتوتر والهش على قاعدة منع الانفجار والانهيار بسبب تداعياته الخارجية من جهة يوفر هذا المنع تفاهما عربيا إقليميا وصعوبة او شبه استحالة تسوية الأزمة بوجهها اللبناني المعقد أساسا ولكن بمسبباتها الخارجية طالما ان طبيعة المرحلة القادمة في المواجهة او التسوية بين الأطراف المؤثرة في لبنان لم تتضح بعد من جهة أخرى.

وقد يؤدي هذا المنطق او هذه القاعدة إلى ترحيل الأزمة وإدارتها على مستوى مقبول من التوتر.لكن المخاطر تبقى قائمة في ظل المنسوب المرتفع من التمذهب والانكشاف على الخارج الأمر الذي قد يؤدي إلى انفجار يصعب احتوائه. لذلك يبقى على القمة الدفع لتحييد لبنان عن توترات وصدامات المنطقة وهو نوع من الحياد الايجابي الذي يبقى حسب الدروس اللبنانية القديمة السياسة الأفضل في زمن اشتداد صدام المحاور.

رابع هذه التحديات يقع في الجناح الإفريقي للبيت العربي حيث يتعرض السودان والصومال بعد لحظة من التقاط الأنفاس عند هذا الأخير لحالة من الانهيار صنعها ترابط الأزمات الأهلية الداخلية مع اشتداد الاستراتيجيات الخارجية تنافسا على كل من البلدين ولا يكفي ان يختبئ العرب وراء افريقيا محملينها مسؤولية صنع السلم في هذين البلدين بل المطلوب بلورة دور فاعل في دعم حفظ السلم .

وبشكل مواز في عملية بناء السلم في كل منهما وهي سياسة تتطلب مقاربة جريئة تجاه (الأخ العربي) بغية العمل على سد ثغرات الداخل وهي ثغرات حقيقية تتسع مع الوقت ولا يمكن تجاهلها وتحميل المسؤولية للخارج كليا عن تفاقمها. وأخيرا لا آخرا تبقى القضية الفلسطينية «أم» القضايا العربية والمفتاح الأساسي لمستقبل العرب: صحيح ان اتفاق مكة قد أنقذ فلسطين من الوقوع في حرب أهلية مدمرة.

لكن الصحيح أيضا ان طبيعة الوضع السياسي الفلسطيني حاليا والتجاذبات التي يتعرض لها والخيارات العقائدية والإستراتيجية والسياسية في فلسطين كلها عناصر تجعل الوضع الفلسطيني حساسا ودقيقا خاصة مع استمرار المطالب أو الشروط الدولية على الحكومة الفلسطينية الجديدة البعض يقول بالتعامل مع طرف دون طرف آخر في الحكومة أو مع وزير دون آخر بعد وضعه تحت المجهر ومراقبة سلوكه السياسي في حين ان المطلوب مقاربة شاملة لعملية السلام المتوقفة منذ سنوات والمهمشة عند الفاعلين الدوليين.

إنها لحظة إعادة إحياء مبادرة السلام العربية بقوة. المبادرة التي تحمل عناصر مترابطة ومتكاملة والتأكيد على انه لا يمكن إسقاط أي من أعمدة هذه المبادرة دون ان يسقط هيكل المبادرة ككل.

لكن لا يكفي التأكيد على المبادرة اذا لم ترافقها حركة سياسية دبلوماسية عربية على مستوى عال لطرح المبادرة على مجلس الأمن باعتبارها الاطار الأكثر شمولية وتوازن وشرعية وواقعية للتسوية السلمية. لم يعد من المفيد الاستمرار في دبلوماسية المواقف المكررة بل صار من الضروري اللجوء إلى دبلوماسية التحرك المستمر وعلى أعلى المستويات لدعم الطروحات العربية على الصعيد الدولي.

قد يكون من الضروري ان تنبثق عن القمة مجموعات صغيرة من دول محددة للتحرك في كل من هذه الملفات على ان تضم الدول الأكثر تأثيرا و الأكثر تأثرا في هذه الملفات. ففي زمن الأقلمة المتزايدة والواسعة والأمركة والتدويل الضاغط والمتزايد لقضايا المنطقة، في إدارة هذه القضايا .

وفي تحديد التوازنات الحاكمة لها وفي محاولة تسويتها، حان الوقت لأن تدفع القمة العربية نحو عوربة المسائل والقضايا العربية من خلال المشاركة الفاعلة في ادارة هذه المسائل وفي الدفع نحو تسويتها وفي صياغة هذه التسويات حتى لا تأتي على حساب المصالح العربية. ولنتذكر انه لا يوجد بيت محصن فإذا ما احترق منزل فإن الحريق سيطال المنازل الأخرى.

كاتب لبناني